أبو علي سينا

88

رسائل ابن سينا ( ط استانبول )

والحركة ان لم تكن العلة قد جاوزت مقدار الفلاح ويكون الأعضاء قد ضعفت عن احتمال الفلاح . وربما عرض للروح التي في التجويفات كلّها . . . . . . . . . . . . . . . بمزاج أو خالطت ابخرة ردية . فيفسد لذلك افعال تلك الأعضاء وذلك ان الصور والتغيير ان نالا لروح التي في التجويفين المقدمين فقط كان من ذلك فساد الحواس كالذين ينال من يدخل الحمام فيطيل المكث فيه فيظلم بصره فلا يرى شيئا وكالذي يهيج به المواد فيبتخر إلى رأسه ويتصل ذلك البخار بالروح التي في مقدم دماغه فيظلم بصره فلا يبصر شيئا . وكذلك يعرض في السمع وفي ساير الحواس . فان جلت الآفة في الجزء الأوسط وكانت باقي اجزاء الدماغ صحيحة سليمة فشد الفكر والتمييز فقط وبقي الحس والحركة مستوين كالذي يعرض في العلة التي تسمى ماليخوليا وهي اختلاط العقل وكالوسواس وفساد التمييز . فان جلت الآفة في جزء الدماغ المؤخّر فسد الذكر فقط وكانت تنافى افعال الانسان مستوية . وان جلت الآفة ما بين هذه التجويفات أو ثلاثة فاشتملت على الدماغ كلّه كانت الآفة عامة للتمييز والحس والحركة كالذي يعرض في الصرع والسكتة وما أشبه ذلك من العلل . فقد صح كما قلنا إن الروح التي في التجويفات التي في الدماغ يفعل افعالا مختلفة . اما الذي في التجويفين المقدمين فيفعل الحس السمعي والبصري والذوقى والشمّيّ وبعض اللمس ويفعل مع ذلك التخييل وهو الذي تسمية اليونانيون فنطاسيا . وان الروح التي في التجويف الأوسط يفعل الفكر والتمييز والرؤية وان الروح التي في التجويف المؤخر يفعل الذكر والحركة . فقد حصل إذا ممّا قلنا إن الروح في بدن الانسان روحان أحدهما يقال له الحيواني مادته الهواء وينبوعه القلب ينبعث بالشريانات إلى ساير البدن فيفعل الحياة والنبض والتنفس فالآخر يقال له النفساني مادته الروح الحيواني وينبوعه الدماغ يفعل الدماغ نفسه الفكر والذكر والرؤية وينبعث منه في الأعصاب إلى ساير الأعضاء فيفعل الحس والحركة .