أبو علي سينا
51
رسائل ابن سينا ( ط استانبول )
غير انّى لما رايت بعض أصدقائي شديد الميل إلى هذا العلم كثير الاشتغال به وانخدع بقول أصحاب هذه العلم وآثر في نفسه تمويهاتهم وكثيرا ما ذهب احارمه « 1 » وإذا كره واعلن وله بطلان هذا العلم وفساد أصوله سأله ان اجمع له طرفا بما كنت اذكر له متفرقا في كتاب يكون دستورا له يرجع اليه في أوقات الحلوات ليتحقق قولي ويقف على صدق مقالى فأجبته إلى ذلك وابتدأت ، وسميته الإشارة إلى علم فساد احكام النجوم وسالت الله التوفيق على ذلك أنه قريب مجيب فأقول قد رسخ في أوهام كثير من الناس أشياء محالة لشدة حبهم إياها عسيرة الوجود أو عديمة فمن ذلك حبهم الراحة والعيش الهنيء في الدنيا الذي لا مشقة عليهم فيه وعلمهم انّ ذلك انما يتأتى بالمال وبالغناء وتحصيل المال وجمعه من أشق الأشياء على الانسان وابعدها من الوجود واما ما يورث من المال أو يحصل بوجود ضالة أو عثور على كثير وذلك من غير مشقة ولا تعبة فمعلوم ان وجود مثل هذا نادر لا دائم ولا اكثرى والنادر لا قياس عليه ومعلوم أيضا ان من حصل ذلك المنال الذي انما حصّله بمشقة وغناء « 2 » عظيم فلما استحكم في قلوبهم ما ذكرنا من حب الراحة بمثل ما أوهامهم أنه يكون طريق تحصيل للانسان به المال بلا مشقة وتعب فاعتقدوا واثبتوا في أوهامهم أمرا كليا وجعلوه أصلا وقالوا ممكن ان يتخذ شئ أو تدبّر تدبير يصير به النحاس فضة والفضة ذهبا وبنوا عليه فروعا وصنفوا في هذا الباب كتبا كثيرة مثل كتب جابر وكتب أبى زكريا الرازي وغير هما وهذا شئ باطل لان ما يخلقه الله تعالى ( حدة ) بواسطة الطبيعة يعجز عنه الصناعة وما يعلمه الصناعة لا يشتغل به الطبيعة وليس غرضنا هاهنا ابطال هذا المحال ومن ذلك حب أكثر الناس لمشاهدة الأشياء الغائبة عنهم مثل البلد الغائبة والممالك البعيدة ورؤية أهلها وعجائبها وعلمهم ان السياحة في أقطار العوالم شاقة وبلوغ أطرافها متعب وخصوصا على من لم يكن له زاد ولا راحلة فعلوا في أنفسهم ان هذا انما يتأنى بالطيران دون المشي وتوهموا انسانا طائرا أو اعتقدوا وجوده وسموه عنقاء مغرب ثم ألقوا عليه حكايات وأسماء ونسبوها إلى العنقاء وحديث العنقاء معروف في الأمم
--> ( 1 ) أحاوره ( 2 ) عناء