أبو علي سينا

تصدير 52

الشفاء ( المنطق )

شرائط إليها . فإذا لم يشعر بجميع الشرائط التي تقترن بها حتى تصير علة موجبة ، بل شعر بأكثرها ، حكمنا بالأولى » « 1 » . من الواضح التمييز هاهنا بين نوعين من العلة : الموجبة ، والمستدعية أو الداعية . فالعلة الموجبة تتم باقتران كل الشرائط التي يتحتم وجود الشيء مع اجتماعها ، والعلة الداعية إلى الحكم ترجح وجود الشيء ولا تحتمه لنقص بعض الشرائط . والعلة الموجبة لا يعتبر فيها ما حقه أن يكون ، بل ما هو واقع فقط . وهذه التفرقة بين ما هو واقع ، وبين ما حقه أن يكون ، يسميها ابن سينا : « بحسب الوقوع » ، و « بحسب الجميل » ، ويفرق بينهما في اللغة الإنجليزية - عند الكلام عن الأخلاق - بقولهم : the " is " ، و the " ought " . وقد وضح ابن سينا هذه التفرقة الدقيقة بالمثال الآتي : « والأولى بحسب الوقوع هو كما يقول القائل : إن لفلان عند فلان حقوقا ، وقد قصده ، فالأولى في نفس الأمر أن يقضيها ، حاكما بأن ذلك الأمر واقع . وأما الأولى بحسب الجميل ، فهو أن يقول : فالأولى بالمقصود ، أي الأجمل به ، أن يقضيها ويعرفها . . . . « 2 » » ولما كان الحكم الواجب الترجيح يقتضى معرفة كل الشرائط الخارجية والنفسية الداعية إلى العلة ، فإن الجهل ببعضها يؤدى إلى التردد في القول بوقوع الشيء . « لكن ما نشعر فيه بوجود سبب « 3 » ، أو بزيادة الأسباب المرجحة ، نظن أن الأولى به أن يكون . . . » « 4 » .

--> ( 1 ) الجدل ، ص 147 . ( 2 ) الجدل ، ص 148 . ( 3 ) نلاحظ أن ابن سينا يستخدم هاهنا السبب والأسباب محل العلة والعلل . ويمكن القول بأن العلة تقابل cause وأن السبب يقابل reason . ( 4 ) الجدل ، ص 141 .