أبو علي سينا
تصدير 4
الشفاء ( المنطق )
للحجج والبراهين . فمنهم من اتسعت ثقافته واكتمل إدراكه ، بحيث يقوى على تفهم البرهنة اليقينية ، وهؤلاء هم الخاصة من فلاسفة وعلماء . ومنهم من ضاق علمه وقصر إدراكه ، فيقنع بالأمور المسلمة والمشهورة ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك جماعة الجدليين من أصحاب الفرق . ومنهم من لم تتوفر له ثقافة ولا فكر ناضج ، وتكفيه الأدلة الخطابية ، وهؤلاء هم العامة والدهماء . والأدلة الخطابية في الواقع باب من أبواب البرهنة الجدلية ، وكل ما فيها أنها تعتمد على مقدمات أقل شهرة وأقل رجحانا . ومن الحكمة أن يخاطب الناس على قدر عقولهم ، فتكون للخاصة لغة تختلف عن لغة غيرهم . ومن الخلط أن تخاطب الجماهير بلغة الفلاسفة والعلماء ، وفي هذا ما فيه من بلبلة واضطراب . تبدو أهمية الجدل والخطابة في الأمور الدينية والمدنية ولا يزال لهما شأنهما في دور القضاء والمجالس النيابية ، ويعوّل عليهما في القيادات السياسية والاجتماعية . ففي نشر « كتاب الجدل » إحياء لتراث قيم ، وتقدير لمادة غزيرة في المحاورة والمناظرة . وقد اضطلع بتحقيقه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني ، وقضى في ذلك عدة سنين ، معولا على تسعة من أهم مخطوطات « الشفاء » . وها هوذا يخرجه اليوم بعد أن استكمل أجهزته العلمية ، وعلى أساس نص مختار مضاف إليه في الهامش الروايات الأخرى . ولم يقنع بذلك ، بل ضم اليه مقدمة مستوعبة ، فيها تاريخ وتحقيق ، وتحليل ومقارنة . عرض « لطوبيقا » أرسطو ، فأشار إلى موضوعه ، وحدد منزلته من « الأرجانون » ، وبين كيف ترجم مع بعض شروحه القديمة إلى العربية . وحلل « الجدل » السينوى تحليلا دقيقا ، مقارنا بينه وبين « طوبيقا » ، ففصّل القول في أنواع المخاطبات ، والسائل والمجيب ، والمقدمة والمسألة ، والشهرة والغلبة .