أبو علي سينا
تصدير 30
الشفاء ( المنطق )
إن الصناعة الجدلية تنتج الحق في أكثر الأمر . ويرد عليهم ابن سينا قائلا : « وهذه كلها ظنون فاسدة ، فإن القياس الجدلي إنما هو قياس جدلى بأن مقدماته متسلمة أو مشهورة ، وليس من شرط المشهور والمتسلم أن يكون لا محالة صادقا ، بل كثيرا ما يسلم الباطل « 1 » » تسلم المقدمات ، وأخذها على أنها مشهورة لا حقّة ، هو الذي يجعل الجدل جدلا ، ومختلفا عن المنطق الآخر النافع في العلوم . لقد تعرض ابن سينا في « كتاب البرهان » إلى مسألة تقديم « الجدل » على « البرهان » أو تأخيره عنه . إنّ ترتيب الكتب المنطقية ، والذي وصل إلى العرب ، جعل الجدل لاحقا للبرهان لا سابقا عليه . وقد خيل إلى العرب أن ترتيب هذه الكتب من عمل أرسطو نفسه لا من عمل أندرونيقوس ، فاحترم الفلاسفة الإسلاميون ما ظنوه أرسطيا ؛ ولذلك قال ابن سينا : « الأشبه أن يكون المعلم الأول رتب هذا الفن الذي في البرهان قبل سائر الفنون » « 2 » ، وذلك اعتمادا على عدة حجج : منها أن الغرض الأفضل هو التوصل إلى كسب الحق واليقين ، ويستفاد ذلك بالبرهان دون غيره ؛ وأن الأولى تقديم الأهم على المهم ، والفرض قبل النفل . ثم استعرض ابن سينا رأى من يقول بتقديم الجدل ، فقال : « لكن من الناس من رأى أن الأصوب هو أن يتقدم الفن المعلم للجدل على هذا الفن ، فاستنكر ما يقوله كل الاستنكار ،
--> ( 1 ) الجدل ، ص 34 . ( 2 ) الشفاء ، البرهان ، ص 54 .