أبو علي سينا

تصدير 21

الشفاء ( المنطق )

ولما كان لا بد في كل مجتمع من رئيس أو إمام أو حاكم ، أو بلغة ابن سينا المنقولة عن الفكر اليوناني « مدبر المدينة » ، فينبغي لمدبر المدينة أن يسوس الناس بتأكيد العقائد النافعة في أنفسهم بالحجج المقبولة عندهم ، مثل إثبات الصانع الواحد ، وإثبات الرسالة الإلهية ، وإثبات المعاد « 1 » . الوحدانية ، والنبوة ، والمعاد ، دعائم ثلاث لا غنى عنها في قيام العقيدة الإسلامية . وإذا كان إثبات الوحدانية مشتركا بين الفلسفة اليونانية والإسلام ، فالنبوة والمعاد مما انفرد به الإسلام ، ويعد من قبيل مباحث الغيبيات ، وبخاصة معجزة النبي ، والجنة والنار . وقد اجتهد الفلاسفة الإسلاميون أن يثبتوا النبوة والمعاد بأدلة فلسفية ، ولكنها وإن ارتقت إلى مرتبة البرهان ، إلا أن هذه الأدلة مقصورة على فئة قليلة جدا هم الفلاسفة « 2 » . وليس في مقدور الجمهور بلوغ هذه المرتبة ، ولا في استطاعتهم اتباع الطريق التعليمي لأنه طريق « طويل ، ولا كل نفس له مقبول » . لذلك لم يكن الجدل مجرد تكملة لأقسام المنطق « فقط - كما قال بعضهم - بل كان له منفعة قائمة » « 3 » . بهذا تختتم المقدمة السينوية الممهدة لكتاب « الجدل » ، ومنها يتبين انفصال منطق الجدل من جهة موضوعه ومنفعته عن منطق البرهان . ثم يبدأ الفصل الثاني بتفصيل ما أجمل ، وتأكيد ما قرر .

--> ( 1 ) الشفاء ، الجدل ، ص 14 . ( 2 ) أنظر Madkour , L orgamon , pp . 231 - 232 حيث يتتبع الدكتور مدكور نظرية مفكري الإسلام التي قسمت الناس ثلاث أقسام : أهل البرهان ، والجدل ، والخطابة ؛ وهم الفلاسفة والمتكلمون والجمهور ، ولكل طائفة منهم لون من المنطق يناسبها . ( 3 ) الشفاء ، الجدل ، ص 14 .