أبو علي سينا
56
الشفاء ( المنطق )
وإذا كانت هذه النسبة إحدى الدواعي إلى تقديم القياس « 1 » ، فكذلك تلك هي إحدى الدواعي إلى تقديم كتاب الجدل . لكن بينهما بعد ذلك فرق . وذلك لأن العام قد يكون [ 90 ب ] مقوما للشيء وقد يكون عارضا . ونسبة القياس المطلق إلى القياس البرهاني هي نسبة أمر مقوم . ونسبة المشهور إلى الصادق بلا وسط ليس « 2 » نسبة أمر مقوم . ولذلك إذا التفت الإنسان إلى الصادق بلا وسط - من حيث هو صادق بلا وسط - ولم يلتفت إلى شهرته ، بل فرض مثلا أنه غير مشهور ، بل شنيع ، لما « 3 » أوقع ذلك خللا في التصديق به كما لو سلب القياس البرهاني حد « 4 » القياس المطلق لاختل ، بل لامتنع . لكنه وإن كان كذلك فإن الابتداء بالأعم ثم التدرج إلى الأخص متعرفا « 5 » فيه الفصل بينه وبين ما يشاركه في ذلك الأعم ، أمر نافع ، وإن كان الأعم ليس مقوما . وعلى هذه الصورة حصلت ملكة البرهان : فإنه إنما فطن أولا للجدل ثم انتقل إلى البرهان . وأيضا فإن الأمور المجهولة إذا طلبت فإنما يتوصل إليها في أكثر الأمر بأن تورد « 6 » أولا قياسات جدلية على سبيل الارتياض ، ثم يتخلص منها إلى القياس البرهاني . وهذا شيء ستعلمه في صناعة الجدل . فأما صناعة الخطابة والشعر فبعيدان عن النفع في الأمور الكلية النظرية : وذلك لأن موضوعهما الأمور الجزئية . وإن نقلت إلى الأمور الكلية ظلمت هي الأمور الكلية « 7 » . وأما « 8 » المغالطة فإنها وإن شاركت الجدل في أنها كانت أولا قبل البرهان في الزمان ، فإنها إنما كانت تتقدم تقدم الضار لا النافع . وتقدم الجدل تقدم النافع . والمغالطة ليست مما « 9 » ينفع بوجه ، ولا مادتها بمشاركة لمادة البرهان بوجه . بل لا المادة المغالطية تحمل على مادة البرهان ولا صورتها على صورته « 10 » ، ولا بالعكس . والخطابة فقد تقدمت أيضا على البرهان في الزمان « 11 » فكانت إما مشبهة بالجدل ومن حكم الجدل ، أو كانت على حكم المغالطة . وليس التقدم في الزمان هو المقصود ، بل التقدم النافع الذي مع مشاركة ما .
--> ( 1 ) من وإذا كانت إلى القياس ساقط في م . ( 2 ) س لكن . ( 3 ) س ما . ( 4 ) س في حد . ( 5 ) س معرفا . ( 6 ) س تعدد . ( 7 ) ظلمت . . . الكلية ساقطة في س . ( 8 ) س فأما . ( 9 ) س ما . ( 10 ) س ولا صورتها على صورتها . ( 11 ) س والمخالطة ( هكذا ! ) قد تقدمت البرهان أيضا في الزمان .