أبو علي سينا

331

الشفاء ( المنطق )

منافاة الذئب وموافقة المحسن . وهذا القسم لا يدركه الحيوان بالحس ، بل بقوة مميزة لها كالعقل لنا ، وتسمى وهما ، وتخزنه « 1 » في قوة أخرى تسمى ذكرا « 2 » ، وهي في مؤخر الدماغ . وهذه القوة الباطنة للإنسان « 3 » أقوى ، وخاصة قوة الذكر والحفظ « 4 » والوهم . والحس « 5 » والوهم يؤكدان ما يجري « 6 » في المصورة ، وفي الحافظة بالتكرير . ثم إن القوة المقتنية للعلوم الأولى فينا تطالع « 7 » هذه الأوهام الباطنة فتميز الشبيه والمخالف وتنزع عن كل صورة ما لها بالعرض وتجرد ما بالذات ، فيحدث فيها أول شيء تصور البسائط ، ثم تركب تلك البسائط بعضها ببعض بمعونة قوة تسمى مفكرة ، وتفصل بعضها عن بعض فتلوح لها في تلك المعاني تركيبات : فما اتفق أن كان منها ما « 8 » من شأنها أن تعلمه بلا تعلم ولا « 9 » وسط ، علمته « 10 » وجربته ، مثل أن الكل أعظم من الجزء . وفي « 11 » كثير منها تستفيد حكم التركيب والتفصيل من الحس على سبيل التجربة . وقد قلنا ما معنى التجربة . فإذن السبب في أنا لا نعلم هذه المبادئ هو فقداننا مبدأ أيضا لها وهو التصور : فإن المبادئ الأولى وإن لم تكن لها مبادئ من جهة التصديق فلها مبادئ من جهة التصور . وأما مبادئها من جهة التصور فتكتسب بالحس والتخيل والتوهم . فإذا اكتسبت أمكن أن يورد التركيب فيها والتفصيل بينها مورد التصديق فتصور من حيث هي مركبة ومفصلة . وبعد هذا التصور نعقلها بالذات . وهذا التصور أحد مبادئها . وكما أن الحفظ يتأكد بمحسوسات متشابهة متكررة ، كذلك التجربة تتأكد - بل تنعقد - بمحفوظات متشابهة متكررة . فتكون بهذا الوجه لنا أن نقتنص الكليات المتصورة والكليات المصدق بها بلا برهان ، فيكون اقتناؤها بوجه غير وجه التعلم والتعليم « 12 » . ونكون إنما جهلناها « 13 » قديما لأن بسائطها لم تلح لنا ولم تخطر ببالنا . فلما استفاد الواحد منا من الحس والتخيل بسائطها على النحو المذكور ولاح له تأليفها ، كان ذلك سبب تصديقنا بها لذاتها إذا كان متصلا بالفيض الإلهي الذي لا ينفصل عنه المستعد .

--> ( 1 ) م وتجريه ( 2 ) س ذكر ( 3 ) س فإنها في الإنسان ( 4 ) س ساقطة ( 5 ) س فالحس ( 6 ) س ما يخزن . ( 7 ) س لتطالع ( 8 ) س ساقطة ( 9 ) م ، ب فلا ( 10 ) س علة ( 11 ) في الأصل الواو ساقطة ( 12 ) س التعليم والتعلم ( 13 ) م حملناها