أبو علي سينا
291
الشفاء ( المنطق )
فقد انقلب ما كان مبدأ البرهان فصار آخر الحد ، وما كان نتيجة للبرهان « 1 » فصار مبدأ الحد . وصار المحدود الذي كان محمولا آخر الأمر موضوعا للجميع « 2 » . ونظير هذا الحد قولنا في حد الغضب إنه شهوة الانتقام ، ونظير كماله غليان دم القلب ، وهو نتيجة البرهان . فإذا حددت قدمت غليان دم القلب وأردفته بالعلة وهو شهوة الانتقام . وإذا برهنت قلت : فلان يشتهي الانتقام ، وكل من اشتهى الانتقام غلى دم قلبه . فقدمت شهوة الانتقام وأخرت غليان دم القلب . والجنس دائما مع الحد الذي هو نتيجة البرهان « 3 » . وقد ظن قوم أن الحد الذي هو نتيجة البرهان يكون لا محالة من المادة « 4 » ، والذي هو مبدأ البرهان يكون « 5 » من الصورة ، وحسبوا أن توسط الأرض الذي هو المبدأ الفاعل « 6 » للكسوف هو علة صورية للكسوف ، وأن انمحاق الضوء علة مادية ، وكأنها من جهة مادة الكسوف ، وليس كذلك . بل تكون العلل المتوسطة ومبادئ البرهان من كل نوع . والمعلم الأول يجعل الحد التام المجتمع من الحد الذي هو مبدأ البرهان والحد الذي هو نتيجة البرهان قسما من الأقسام ، ويترك الحد الذي هو مبدأ البرهان اقتصارا على فهم المتعلم ، وهو بالحقيقة قسم خارج مما ذكر ، وهو الرابع في الحقيقة بعد « 7 » الحد التام ، كما أشرنا إليه في مواضع وسنشير إليه بعد قليل . بل إنما نجعل الرابع حد أمور لا علل لها ، وذوات لا أسباب لوجودها بوجه ، وليس في حدها التام شيء هو علة ومعلول « 8 » ، فلا يكون هناك « 9 » شيء هو مبدأ برهان وشيء آخر هو نتيجة برهان . ولا كل مبدأ برهان « 10 » يؤدي إلى حد هو نتيجة برهان ، ولكن يجوز أن يكون مبدأ برهان لأمور عارضة خارجة عن الحد .
--> ( 1 ) س البرهان . ( 2 ) أي موضوعا للقضية التي تجمع بين جزئي الحد . ( 3 ) الجنس في المثال المذكور هو " الصوت " وهو وارد في المقدمة الكبرى في القياس الأول من القياسين اللذين ذكرهما . ( 4 ) أي يكون علة مادية . ( 5 ) س + لا محالة . وقوله من الصورة معناه يكون علة صورية . ( 6 ) س الفاعلي . ( 7 ) س وهو . ( 8 ) س علة معلول . ( 9 ) أي في حالة حد الشيء الذي لا علة له . ( 10 ) س ساقطة .