أبو علي سينا

287

الشفاء ( المنطق )

وسطى هي علل منعكسة على الحدود الكبرى ، بل وعلى الصغرى ، فأمر باطل . وإنما غرهم قلة العناية والنظر ، وفصل من كلام المعلم الأول لم يستقصوه حق الاستقصاء ، وسنصير إليه عن قريب ، ونبين أن العلل قد تكون أخص من المعلولات في كثير من الأشياء ولا تنعكس عليها ، إلا أنا نشتغل هاهنا بما هو غرضنا فنقول : إن المعلم الأول دل على أن البراهين « 1 » ذوات العلل تعطى بوجه ما تنبيها على الحدود ، وذلك في الأشياء التي هي عارضة لشيء وفي شيء لعلة « 2 » من جنس العلل المأخوذة في الحدود . وأما ما لا علة له في وجود ذاته مطلقا ، أو لشيء : لأنه غير عارض في شيء ، أو عارض أول « 3 » بلا علة - ومن جنسه مبادئ العلوم « 4 » - فإنه قد يصدق به من غير قياس يعطي هلية البتة . بل هليتها واضحة . ومع ذلك فقد يكتسب لها حد . وأيضا كثير من المعاني يوضع في العلوم وضعا ، مثل الوحدة في علم العدد ، فلا يقاس بالبرهان على وجوده « 5 » ، بل يوضع وضعا ، وربما أقنع فيه بكلام جدلي أو استقراء إقناعا غريبا ليس من شرط التعليم ، ولكن ذلك لا يتعذر تحديده . فإذن ليس كل حد إنما يتوقع فيه أن يصار إليه من البرهان ، بل كثيرا ما يحد الشيء أولا فيقتنص من حده البرهان على عوارضه ، وخصوصا من حدود البرهان الذاتية والحدود التي فيها شيء علة وشيء آخر معلول ، مثل قولنا إن الرعد صوت يحدث في الغمام لطفوء النار فيه . وطفوء النار علة والصوت معلول ، ومجموعهما - لا أحدهما وحده - هو الحد التام : فإنه وإن كان طفوء النار علة فاعلة للصوت ، والصوت معلول له ، فالصوت علة للرعد على سبيل العلل الصورية . والحد بجملته علة صورية للمحدود ، وإن كان بعض أجزائه علة لبعض . وإذا كان الحد بالجملة علة صورية للمحدود فكل جزء منه هو علة لا محالة . وإنما يكون البرهان مفيدا للحد إذا كان فيه جزء هو علة وجزء هو معلول على نحو ما قلنا .

--> ( 1 ) م البرهان . ( 2 ) م العلة . ( 3 ) س " بلا علة من جنسه مبادئ العلوم " وهو خلط . ( 4 ) س " بلا علة من جنسه مبادئ العلوم " وهو خلط . ( 5 ) أي فلا يبرهن على وجوده . م تقرأ وجوه .