أبو علي سينا

240

الشفاء ( المنطق )

جزئي يكاد لا يغني ولا يتناهى إذا لم يجمع في كل تشترك « 1 » فيه أمور بلا نهاية وتتحد به فيكفيها كلها برهان واحد . ولولا ذلك لاحتيج « 2 » إلى براهين بغير نهاية . وأيضا فإنه ليس يجب على المبرهن من جهة برهانه على الكلي أنه إن لم يجعل الكلي معدوما « 3 » يلزمه أن يجعله شيئا مباينا للجزئيات . فليست الجواهر الكلية في ذلك بمباينة الحال للأعراض الكلية مثل الكيفية والكمية . فترى هل يجب لكون هذه الأعراض كلية أن تكون أمورا خارجة عن الجزئيات ، قائمة بذاتها ، موجودة لا في موضوع ؟ وهل جزئياتها إذا انفردت بحد تنفرد « 4 » بالقوام . وإذا غلط غالط فظن أن الكلي شيء خارج عن الجزئيات بسبب إفراد البرهان عليه ، فاللوم يلحقه في إصغائه للباطل وتوهمه المحال « 5 » دون الذي يستعمل البرهان الكلي على واجبه « 6 » وقد علمت أنت في مواضع أخرى الفرق بين الذي ينظر إليه دون اعتبار غيره ، وبين الذي ينظر إليه وهو مجرد مباين لغيره . وأيضا فإنا قد أشبعنا القول في أن البرهان هو قياس من العلة واللمية ، والكلي أولى بأن يعطي العلة : وذلك لأن المعنى يوجد للكلي بذاته وأولا ، فإن كل شيء له أمر بذاته لا يحتاج أن يكون لشيء آخر يفرض غيره حتى يكون له ، بل إن لم يكن للغير المفروض كان له ، ولا يكون لذلك الغير إلا ويكون له ، فهو للغير بسببه . وهو العلة الغريبة « 7 » فالكلي « 8 » هو الذي يعطي الجزئي ما له « 9 » بذاته . والكلي هو الذي عنده نهاية البحث عن لم . وعند تناهي البحث ما يظن أنا علمنا الشيء ، كما لو سأل سائل : لم جاء فلان ؟ فقيل ليأخذ مالا ما ، فيقال : لم يأخذ ؟ قيل ليقضي دين غريمه ، قيل ولم يقضي ؟ قيل لكي لا يكون ظالما . فإذا وقف البحث عن اللم عند هذا وأمثاله ، فقد سكنت النفس إلى معلومها .

--> ( 1 ) س ، ب مشترك . ( 2 ) س لاحتاج . ( 3 ) أي لم يفترضه معدوما . ( 4 ) معناه : هل إذا انفردت الجزئيات بإمكان وضع حدود لها ، تنفرد بقيامها بذاتها ؟ ( 5 ) س للمحال . ( 6 ) م واحد واحد . وفي هذا كله إنكار لنظرية المثل الأفلاطونية . ( 7 ) هكذا في المخطوطات الثلاثة . س + فيه . ( 8 ) م ساقطة . ( 9 ) أي الكلي يعطي الجزئي الصفات التي للكلي لذاته .