أبو علي سينا
11
الشفاء ( المنطق )
الأرسطية ، سار فيها على نفس النمط الذي سار عليه أرسطو في كتابه ، وعرضها فقرة فقرة ، شارحا لها تارة ، ومعلقا عليها تارة أخرى ، وهي الفصول التي صرح أنه حاذى فيها المعلم الأول : وهذه المحاذاة واضحة كل الوضوح في جميع فصول المقالتين الثالثة والرابعة اللتين لخص فيهما أهم ما أورده أرسطو في الفصول 13 - 34 من مقالته الأولى ، وجميع فصول المقالة الثانية . وكثيرا ما يتخلل شرحه وتعليقه اعتراضات يثيرها في صورة « فإن قيل كذا وكذا » ويجيب عنها إجابة منتصر لتعاليم أرسطو غير خارج على أقواله . وفي الكتاب عدد غير قليل من الفصول التي جمع ابن سينا مادتها من أجزاء مختلفة من كتاب البرهان الأرسطي ولم يلتزم فيها ترتيبه ؛ أو جمعها منه ومن غيره من كتب أرسطو المنطقية الأخرى ، ثم شرحها وفصل القول فيها ، وهذا النوع غالب في فصول المقالة الثانية . والنوع الثالث من الفصول ، تلك التي استقل فيها عن أرسطو بعض الشئ فوضعها وضعا واستوحى فيها أقوال الشراح . وينطبق هذا الوصف على الفصول الأولى من المقالة الأولى من الكتاب . وقد يتبادر إلى الذهن أن ابن سينا لا يصح أن يوصف بأنه « مؤلف » لكتاب البرهان ، لأنه لم يضع كتابا جديدا ولم يبتكر نظريات منطقية لم يسبق إليها ، ولم يتجه بنظرية البرهان الأرسطية وجهة جديدة أو ينقدها ؛ وأن الأجدر أن يوصف بأنه جامع لمسائل البرهان الأرسطي ، عارض وشارح ومبسط لها . ولكن هذا حكم فيه الكثير من القسوة والمجافاة للعدل والإنصاف . فإننا لا نستطيع أن نصف ابن سينا بأنه شارح لكتاب البرهان الأرسطي على نحو ما نصف ابن رشد أو أي شارح أرسطى آخر ، لأنه لم يعن بتفسير النص الأرسطي بقدر ما عنى بتوضيح القواعد الأرسطية ، كما أنه لم يكن جماعا لمادة أرسطو في البرهان على نحو ما وضعت المجاميع والملخصات للكتب الأرسطية . بل هو جماع يختار ما يرتضيه من الآراء ويترك ما لا يرتضيه ، ويوائم بين ما يختاره في نسق منتظم متماسك ، ويناقش كل هذا ويعلله ويفسره . على أن ابن سينا لم يلتزم في كتابه حدود كتاب البرهان الأرسطي بل تجاوزها في استطراداته إلى ميادين أخرى من ميادين المنطق ، بل إلى ميادين علم النفس والطبيعة وما بعد الطبيعة مما قد نجده في كتب أرسطو الأخرى غير البرهان . ومن أمثلة ذلك أنه بعد أن شرح القاعدة الأرسطية القائلة : إنك إذا فقدت حاسة فقد فقدت علما ما ، يستطرد فيذكر مسائل هي في صميم علم النفس ونظرية المعرفة ، ويتكلم عن العلم