أبو علي سينا

8

الشفاء ( المنطق )

متى وحدها ، فأمر لا أكاد أصدقه أو أتصوره ، لأنها ترجمة حرفية مستغلقة المعنى ، مستحيلة : الفهم ، مجافية للذوق العربي ، خارجة على أبسط قواعد اللغة . وقد عرف القدماء لهذا المترجم - مع علو كعبه في المنطق - هذه العجمة وهذه الركاكة في التعبير ، فوصفوه بما يستحق أن يوصف به . يقول فيه ابن النديم : « وكتبه مطرحة مجفوة لأن عباراته كانت عفطية غلقة » « 1 » . وفي اعتقادي أنه أسوأ مترجمى « الأرجانون » على الإطلاق إذا قورن بإسحاق بن حنين الذي نقل « المقولات » و « العبارة » أو بأبى عثمان الدمشقي الذي نقل « الجدل » أو غيرهما . لهذا أعتقد أنه من المستحيل أن تلك الترجمة الغلقة التي نعرفها له كانت وحدها مصدر كتاب البرهان الذي عرض ابن سينا مادته عرضا واضحا مفهوما ، اللهم إلا إذا استعان على فهمها بشرح أبى بشر نفسه أو شرح آخرين . غير أن هذه دعوى يعوزها التدعيم من جانب آخر ، ولذا أخذت أقارن بين النصوص الأرسطيه التي اقتبسها ابن سينا في كتابه اقتباسا مباشرا ونص على أنها من أقوال المعلم الأول بلفظها ، وبين نظائرها في ترجمة أبى بشر ، على أجد مطابقة بينها فلم أجد هذه المطابقة تامة إلا في حالة واحدة هي الآتية : يقول ابن سينا . واعلم أنه لما سمع ما قيل في التعليم الأول حيث قيل ما قيل . « فجميع التي يأخذها وهي مقبولة من حيث لم يتبينها ، إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم فإنما يضعها وضعا ، وهي أصل موضوع : أعنى الوضع لا على الإطلاق ، لكنها عند ذلك فقط . فأما إن هو أخذه من حيث ليس فيه بعينه ولا ظن واحد ، أو من حيث ظنه على ضد ، فإنما يصادر عليه مصادرة » « 2 » . وهذه الفقرة واردة بحذافيرها وبنصها في الترجمة العربية لأبى بشر « 3 » وليس بين النصين من فرق سوى أن قوله « إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم » يقابله في نص أبى بشر « إن كان أخذه لها هو مظنونا عند المتعلم » . ومراده بقوله « لها » الأقوال الموضوعة .

--> ( 1 ) الفهرست ط مصر ص 367 : والعفطى بالكسر الألكن . ( 2 ) انظر و 96 ب من برهان ابن سينا . ( 3 ) منطق أرسطو ح 2 ص 340 وهذه الفقرة ترجمة للنص الأرسطي الوارد في 76 ب 25 - .