أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 14

الشفاء ( المنطق )

وخاصة الأنماط الثلاثة الأخيرة منه ، ففيها تنبيهات وخواتيم يجد المرء لذة في أن يقرأها ويقرأها غير مرة « 1 » . وقد يتأنق فيسجع ويعنى نوعا بالصناعة اللفظية ، على نحو ما يلحظ في " رسالة الطير " و " رسالة القدر " « 2 » . و " كتاب الشفاء " ألصق بأسلوب ابن سينا العام والدارج المألوف ، ويبدو ذلك باطراد في الكتاب جميعه ، فليس ثمة تباين ولا تفاوت في أسلوبه على طوله وكثرة أجزائه . وهو يدل دلالة واضحة على تمكن مؤلفه من العربية ، وقدرته على أن يؤدى بها أدق الأفكار وأعقدها . وقل أن يلجأ لبعض الألفاظ الأجنبية من فارسية أو يونانية ، اللهم إلا إن أضحت مصطلحات تقررت من قبل في الاستعمال . وأما منهجه فيقوم على ذلك العرض المتصل المحكم الترتيب والتبويب ، فيقسم - كما قدمنا - الفن إلى مقالات ، والمقالة إلى فصول . وفي الفصل الواحد يسير سيرا منطقيا منتظما ، من المقدمات إلى نتائجها . ويولع ولوعا كبيرا بما يسمونه القسمة العقلية . فيضع الأحكام والآراء بين طرفين أو أطراف متقابلة ، يناقشها طرفا طرفا حتى ينتهى إلى الهدف المقصود ؛ وكأنما يخرج من قسمة ليدخل في أخرى « 3 » . ولا يتشبث مطلقا بالمماحكات اللفظية ، بل ينفر منها ويقصد إلى المعنى ، ويصوّب إليه رأسا . وها هو ذا يقول : " واجتهدت في اختصار الألفاظ جدا ومجانبة التكرار أصلا ، إلا ما يقع خطأ أو سهوا ، وتنكبت التطويل في مناقضة

--> ( 1 ) انظر متلا المدخل ، ص 12 - 14 . ( 2 ) ابن سينا ، الإشارات والتنبيهات ، ليدن ، 1892 ، ص 190 - 222 . ( 3 ) ابن سينا ، جامع البدائع ، القاهرة ، 1917 ، ص 114 - 119 ؛ رسالة القدر ، ليدن ، 1899 .