أبو علي سينا
مقدمة الشفاء 7
الشفاء ( المنطق )
متواضعين يقول ابن سينا عن أبرزهم ، وهو الناتلى : " وكان أي مسألة قالها أتصورها خيرا منه ، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه ، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر « 1 » " . إنّ " كتاب الشفاء " ، يملى علينا درسا آخر ، وهو أنّ ابن سينا قرأ ، وقرأ كثيرا ، قرأ كل ثمار الثقافة العربية والفارسية الهامة التي عرفت في عصره ، وما أكثرها : فجاء نسيج وحده وصنيع درسة وتأمله . وقد توفرت له أسباب القراءة في العشرين سنة الأولى من حياته : كفله فيها أبوه ووقاه مؤنة الكسب وطلب العيش ، فتفرغ للبحث والدرس في ذكاء نادر ، وذاكرة عجيبة ، وولوع بالقراءة وسرعة فيها مدهشة . فما كان ينام من الليل إلا أقله ، ولا يشتغل في النهار بغير العلم والقراءة « 2 » . وما كان يبدأ كتابا إلا أتمه ، مستعينا بما عليه من شروح وتعليقات . وقد انتهى به تخصصه وخبرته إلى أنه لم يكن في حاجة أن يقرأ الكتاب تباعا ، بل كان يقصد إلى مواضعه الصعبة ومسائله المشكلة ، فينظر ما قاله مصنفه فيها ، ويتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم « 3 » . ولم تكن الكتب عزيزة المنال حين ذاك ، فقد كانت سوقها رائجة ، ورغبة أهل خراسان وفارس في اقتنائها عظيمة « 4 » . وكان ابن سينا من بيت علم يعنى بالتحصيل وشراء الكتب وجمعها . على أنه لم يقنع بمكتبته الخاصة بل ضم إليها مكتبة أخرى من أعظم المكتبات في ذلك التاريخ ، ونعنى بها مكتبة نوح بن منصور سلطان بخارى ووريث مجد الدولة الساسانية ، فقد أتيحت له
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 3 ؛ القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 414 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 415 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 422 . ( 4 ) ومن أمثلة ذلك ما يحكيه ابن النديم من أن خراسانيا اشترى شرحي الإسكندر الأفروديسى " للسماع الطبيعي " و " لكتاب البرهان " بثلاثة آلاف دينار ( الفهرست ، القاهرة ، 1348 ه ، ص 354 ) .