أبو علي سينا
513
رسائل ( ط بيدار )
بأنّه ذلك ، وحصل لنا به التمييز بينهما . ولو كان انسان لم يعهد جبالا رفيعة السمك قطّ ، فرأى جبالا رفيعا من بعيد لم يمكنه تصوّر مسافة ما بينه وبينه ، وربّما ظنّه قريبا منه وأصغر في الحجم لعلّة اعتياده لذلك . وامّا من استقر أو اعتاد رؤية الجبال وابعادها ، لم يكد يخفى عليه البعد إذا رأى شيئا منها . وكذلك من سمع صوتا لم يعتده ولم يسمع بمثله قطّ ، أو لم يعتده كثيرا لم يمكنه ان يميّز كثيرها على البعد من يسيرها على القرب كاصوات الصواعق والزلازل وما أشبهها . فقد ثبت انّ هذا ليس لما ذكرت ، بل لأجل العادة . وامّا الحديث على السواد ، وقولك انّه يجب ان يرى اسود كلّه فباطل ، فانّ الأشياء المشفّه وان ادّت الألوان إلى الابصار فانّها يؤدّيها على المسامتة وعلى الخط الأقصر بينها وبين البصر لا على التقويس والانحناء . فمقدار ما يسامت البصر من السواد في البلور يراه اسود وما فضل عليه يراه ابيض . وامّا سؤالك عن كيفيّة ادراك البصر السمك تحت سطح الماء والنجوم فوق في حالة واحدة ، فكما تقوله في ادراك شعاع البصر لهما جميعا نقوله نحن في تشكّلهما في العين .