أبو علي سينا

499

رسائل ( ط بيدار )

أوردت قدمة الفاعل وجعلت فنّا سادسا . فامّا ان يكون له قدمة زمانيّة بالوجوب فلا ، لانّ قدمتى الطبع والشرف ، ليس من شروطهما التقدّم بالزمان . الا ترى انّ الجواهر متقدّم على العرض بالطبع ثمّ لا يوجد الجوهر الّا مع العرض معا ، وكالنهار يوجد بوجود الشمس ولا يوجب ذلك تقدّم الشمس عليه في الزمان ، كذلك ما نحن فيه ؟ دليل اخر : قال إذا كانت الصورة لا تقوم الّا بالهيولى والهيولى لا تقوم الا بلبس صورة ما ، ولا يمكن قوام أحدهما الّا بقوام الاخر ، فكيف حدثت الصورة ولا مادّة أو المادّة ولا صورة ، لانّه إذا كان وجود كل واحد منهما متعلّقا بوجود الاخر ، استمرّ بهما العدم ، فلم يوجد الّا واحد منهما وقد رأيناهما موجودين ، فاذن هما موجودان في الأزل . وليس يخرج الفاعل بما ذكرناه من أن يكون مبدعا للعالم مع كونه ازليّا معه ، لانّ قوامه به وهو علّة لوجوده لانّه الماسك له على التلاشى ، والمثبت له على الوجود ، والحاصر له من الليسيّة على الايسيّة ، لولاه لعدم بعدمه وهذا صعب التصور يحتاج في تحقّقه إلى تقديم مقدّمات عليه . وقد شرحت لك منه ما أمكن ، ولم اتعرّض لما هو اغمض وأشكل ، إذ كان تصوّرها موكولا إلى ما بعد الطبيعيات ، وانا فيها راجل . ولكن هذا بذل المجهود ولا شك انّى لم أخل معنى مما كنت ذكرته في كتابي الاوّل إليك الذي افتقد .