أبو علي سينا

496

رسائل ( ط بيدار )

وكذا يقتضيه البحث العقلي البرهاني . فامّا التوهّم الخيالي المستفاد من الحواسّ على حسب العادة ، فانّه ينبوء « 1 » عن تصوّر اللّانهاية ، ويكاد يتحقّقه لمشاهدة الأشياء والأزمنة متناهية الأطراف ، الّا ان يتخيّل له من استحالة لا نهاية فيها يتخيّل مثله في البارئ جلّ ثناؤه وجوده في الأزل بلا نهاية مع انّ ذلك ليس ينكره العقل . والأعجب ان يكون في الأزل ثمّ لا زمان ولا نور ولا ظلمة ولا خلق ، ثم يعنّ له رأى فيخلق الأشياء ، ويجود بعد ما بخل في الأبد ، فيفعل بقوّة لا نهاية لها فعلا متناهيا ، ثمّ يعرضه التلف والافساد ، ثمّ اعادته من الرأس . وهل هو الّا عين العبث ؟ « 2 » هذا ما أوردوه من الحجج القويّة . وحجّة أخرى أوردوها وهي انّه قال إن كان اللّه تعالى احدث العالم فلا يخلو امّا ان يكون عالما به قبل حدوثه أو لم يكن ، ومن رأى الجمهور انّه كان عالما به ، ومن المعلوم ان المعلوم باليقين واجب الوجود ضرورة . وامّا ما هو ممكن ان يكون وان لا يكون ، وانّه ليس أحد الطرفين في وجوده بأولى من الثاني ، فليس بمعلوم يقينا بل هو مظنون . وقد علمنا انّ علم اللّه تعالى كان باليقين ، فكان وجود العالم واجبا لا ممكنا ، وما هو واجب فليس الفاعل له بفاعل بالاختيار ، بل بالطبع . فاذن ينتج قول الخصم

--> ( 1 ) ينبؤا : بينوا ( 2 ) العبث : العيب M .