أبو علي سينا
341
رسائل ( ط بيدار )
في ذاته وانما يقبل كمالاته وتمامات صورته فكيف يتصور فيه العدم والتلاشى وأما من يخاف الموت لأنه لا يعلم إلى أين تصير نفسه أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه فقد انحلت ذاته وبطلت نفسه وجهل بقاء النفس وكيفية المعاد فليس يخاف الموت على الحقيقة وانما يجهل ما ينبغي أن يعلمه فالجهل إذا هو المخوف الذي هو سبب الخوف وهذا الجهل هو الذي حمل العلماء على طلب العلم والتعب فيه وتركوا لأجله لذات الجسم وراحات البدن واختاروا عليها النصب والسّهر ورأوا أن الراحة التي يستراح بها من الجهل هي الراحة الحقيقية وان التعب الحقيقي هو تعب الحقيقي هو تعب الجهل لأنه مرض في النفس والبرء منه خلاص وراحة سرمدية ولذة أبدية فلما تيقن الحكماء ذلك واستبصروا فيه وهجموا على حقيقته ووصلوا إلى الروح والراحة هانت عليهم أمور الدنيا كلها واستحقروا جميع ما يستعظمه الجمهور من المال والثروة واللذات الحسية والمطالب التي تؤدى إليها إذ كانت قليلة الثبات والبقاء سريعة الزوال والفناء كثيرة الهموم إذا وجدت . عظيمة الغموم إذا فقدت فاقتصروا منها على المقدار الضروري في الحياة الدنيا وتسلوا عن فضول العيش التي فيها ما ذكرت من العيوب وما لم أذكره ولأنها مع ذلك بلا نهاية وذلك لان الانسان إذا بلغ منها إلى غاية تداعت إلى غاية أخرى من غير وقوف على حد ولا انتهاء إلى أمد وهذا هو الموت الذي لا مخافة منه والحرص عليه هو الحرص على الزائل والشغل به هو الشغل بالباطل ولذلك