أبو علي سينا

282

رسائل ( ط بيدار )

بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فان من شمر عن ساق الجد للبلوغ إلى مرتبة الواصلين فليقصد بسلاح ذكر اللّه تعالى إلى قمع هواجس النفس وايقاظ القلب عن سنة الغافلين ويزداد بالفكر على الذكر استخلاصا لنية الذكر عن عادة المداجلين ويسلط الذكر على الفكر لاذابة تخييل الواردين ويتبرأ ( 1 ) عن أحوال الذكر وقوة الفكر بالإنابة إلى رب العالمين وكل ذلك داخل في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) وخلاصه في نسيان الخلق بالاستغراق في ذكر اللّه الا ان الذكر لا يخلص عن النسيان مع انتشار الحواس في شهواتها فلزم ذمها ولا يصفو الذكر مع هواجس النفس فوجب حفظها ولا يدوم مع الاصغاء إلى حديث النفس فتعين مراقبتها ولا يستحلى الذكر والسر ملتفت إلى غير المذكور فتحتم قبضه ( 2 ) - فإذا حضرت هذه الشرائط في الذكر برهة من الزمان ثبت الذكر في السر وبرزت عروقه في القلب وطلعت أغصانه من الغيب وأثمرت المعارف وطلع كل عرق وغصن في اللسان والسمع والبصر واليد والرجل وفاز بقوله تعالى ( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) وهذا محل الكفاية وموضع النصرة والرعاية وخرج العبد عن حراسته ووقع في حفظ اللّه وحرزه لقوله تعالى ( وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) فينبغي ان يفتتح الامر بذكر اللسان على سبيل الحرمة وهو مجاهدته فيفتح اللّه القلب بالذكر ومراقبة القلب مجاهدته -