أبو علي سينا

239

رسائل ( ط بيدار )

مركبا على هذا الوجه والنظام فإنه يجرى فيه الصلاح والفساد جميعا - والمقدمة الثانية ان القدماء عندهم ان الثواب حصول لذة للنفس بقدر ما حصل لها من الكمال وان العقاب حصول ألم للنفس بقدر ما يحصل لها من النقص فكان بقاء النفس في النقص هو البعد عن اللّه وهو اللعنة والعقوبة والسخط والغضب فيحصل لها ألم بذلك النقص وكما لها هو المراد بالرضى عنها والزلفى والقرب والولاية فهذا معنى الثواب والعقاب عندهم لا غير - والمقدمة الثالثة هي ان المعاد انما هو عود النفوس البشرية إلى عالمها ولهذا قال اللّه تعالى ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) وهذه جمل تحتاج إلى إقامة البراهين عليها - فإذا تقررت هذه المقدمات قلنا إن الذي يقع في هذا العالم من الشرور في الظاهر فعلى أصل الحكم ليس بمقصود من العالم وانما الخيرات هي المقصودة والشرور اعدام - وعند افلاطن ان الجميع مقصود ومراد وان ما ورد به الامر والنهى في العالم من افعال المكلفين فإنما هو ترغيب لمن كان في المعلوم انه يحصل « 1 » في المأمور والنهى تنفير لمن كان في المعلوم انه ينتهى عن المنهى فكان الامر سببا لوقوع الفعل ممن كان معلوما وقوع الفعل منه والنهى سببا لانزجار من يرتدع عن القبيح لذلك ولولا الامر لكان لا يرغب ذلك الفاعل ولولا النهى لكان لا ينزجر هذا فكان يتوهم ان مائة جزء من الفساد كان يمكن وقوعها لولا النهى وإذا دخل النهى وقع خمسون جزأ من الفساد ولو لم يكن نهى وقع مائة جزء وكذلك حكم الامر لو لم يكن امر لكان لا يقع شئ من الصلاح فإذا ورد الامر حصل خمسون جزأ من الصلاح - فاما المدح والذم فإنما ذلك لامرين أحدهما حث فاعل على الخير على معاودة مثله

--> ( 1 ) كذا