أبو علي سينا
225
رسائل ( ط بيدار )
والعلوم الغيبية المتعلقة بمعرفة صنفى الغيب اعني الأمور الماضية والمستقبلة - واما الصنف الثالث من أصناف المعجزات فإنه يتعلق بفضيلة قوة النفس المحركة التي تبلغ من قوتها إلى القدرة على الاهلاك وقلب الحقائق من تدمير على قوم بريح عاصفة وصاعقة وطوفان وزلزلة وقلب العصا حية - وتلحق بهذا الصنف أنواع من الكرامات التي شرف اللّه تعالى بها قوما من عباده المخصوصين فيقدمون على هذه الأشياء بما يستجيب من دعواتهم وتظهر منهم أمور تخرج عن المجرى الطبيعي كما يحكى عن بعضهم انه أطاق بقوته فعلا يخرج عن وسع مثله من البشر وعن بعضهم انه كان يستسقى للناس فيسقون أو يدعو عليهم فيخسف بهم ويزلزلون أو يدعو لهم فيخلصون عن الوباء والقحط والأمراض الصعبة المزمنة ومن هذا القسم معجزات عيسى عليه السلام وكما يحكى عن بعضهم انه تنقاد له السباع ولا تنفر عنه الوحوش والطيور وينبغي ان لا تستبعد شيئا من ذلك وقد اذعن الحكماء الكبار بهذا وأخبروا عن السبب الذي فيها كلها - وهذا الصنف من المعجزات يدخل تحت تأثير النفساني في الجسماني ومن استقرى معجزات الأنبياء عليهم السلام وكرامات الأولياء أمكنه ان ينسب كل واحدة منها إلى واحد من هذه الأصناف المذكورة واللّه المرشد للصواب - وأما الالهامات والمنامات فإنها داخلة تحت تأثير النفساني في النفساني وتكثر هذه الالهامات وتقل وتصدق هذه المنامات وتكذب بحسب قوة استعداد النفوس البشرية وضعف استعدادها بموجب صفائها وكدورتها وخلوصها عن المحسوسات وتدنسها بها اما في بدو حدوثها في الأبدان واما بعد ذلك بمقتضى السبر والعادات التي يتفق ان يسبر بها ويتعود بها وقد تصدق المنامات تارة بان يرى الامر على ما هو عليه وبصورته من غير حاجة إلى تعبير وتأويل وتارة بان يرى محاكيا للشئ وهذا يتفاوت فربما كانت بمحاكيات قريبة من الشئ جدا وربما كانت بمحاكيات بعيدة وهذه يحتاج فيها إلى تعبير وتأويل والسبب في هذه الحالة للأنبياء وأصحاب الكرامات ان القوة المتخيلة خليت محاكية لكل ما يلقاها