عبد الملك الثعالبي النيسابوري
10
فقه اللغة وسر العربية
وما أنسَ لا أنسَ أيامي عنده بفيروزأباد إحدى قراه برستاق جُوَين سقاها الله ما يَحكي أخلاق صاحبها من سَبَل القَطر فإنا كانت بطلعته البدريَّة وعشرته العطريَّة وآدابه العلويَّة وألفاظه اللؤلؤية مع جلائل إنعامه المذكورة ودقائق إكرامه المشكورة وفوائد مجالسه المعمورة ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون . أنموذجات من الجنّة التي وعد المتقون ، فإذا تذكرتُها في تلك المرابع التي هي مراتع النواظر والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر ، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها ونشرت طرائف مطارفها ، طُوِيَ لها الديباج الخُسرَواني ونُفيَ معها الوَشيُ الصَّنعانيُّ ، فلم تُشَبَّه إلا بِشِيَمِه وآثار قلمه وأزهار كَلمِه تذكرت سَحَراً ونسيماً وخيرا عميماً وارتياحاً مُقيما وروحاً وريحاناً ونعيماً . وكثيراً ما أحكي للإخوان والأصدقاء : أني استغرقت أربعة أشهر هناك بحضرته ، وتوفَّرت على خدمته ، ولازمت في أكثر أوقات الليل والنهار عاليَ مجلسه ، وتعطّرتُ عند ركوبه بغبار موكبه . فبالله أقسم يمينا قد كنت عنها غنيا وما كنت أوليها لو خِفتُ حِنثاً فيها ، أني ما أنكرت طَرَفا من أخلاقه ولم أشاهد إلا مجداً وشرفاً من أحواله وما رأيته اغتاب غائبا أو سَبَّ حاضرا أو حَرَم سائلا أو خيَّب آملا أو أطاع سلطان الغضب والحَرَد أو تَصَلَّى بنار الضَّجر في السفر أو بَطَشَ بَطْشَ المُتَجَبِّر وما وجدت المآثر إلا ما يتعاطاه ولا المآثم إلا ما يتخطاه فعوَّذته بالله ، وكذلك الآن من كلّ طَرْف عائن وصدر خائن . هذا ولو أعارتني خُطباء إياد ألسنتها وكتَّابُ العراق أيديها في وصف أياديه التي اتَّصلت عندي كاتصال السُّعود وانتظمت لديَّ في حالَتيْ حُضوري وغيبتي كانتظام العقود . فقلت في ذكرها طالبا أمد