أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

87

عجائب المقدور في نوائب تيمور

إليه ، فلبوا دعوته ، وأقبلوا عليه ، إذ كانوا أقوى من غيرهم ، آمنين من ضرر الجغتاي وضيرهم ، فقوى بذلك سلطانه ، وعمر بقفول الجنود خانه ، وثبت في دار الملك أساسه وعلت أركانه . وأما توقتاميش فبعد أن تراجع وهله « 1 » ، واستقر في دماغه عقله ، ورحل عدوه ، وحصل هدوه ، جمع عساكره ، واستنجد قومه وناصره ، فلا زالت ضروب الضراب لحراب الحروب بينه وبين أيدكو قائمه ، وعيون السكون كجفون الزمان المتعامي عن صلحهما نائمه ، إلى أن بلغ مصافهم خمس عشرة مره ، يدال هذا على ذلك تارة وذاك على هذا كره ، فأخذ أمر قبائل الدشت في التنقص والشتات ، وبواسطة قلة المعاقل والحصون ، وقعوا في الانبثاث والانبتات ، لا سيما وقد تناوشهما أسدان ، وأظل عليهما نكدان ، وقد كان جلهم ذهب مع تيمور ، وأمسى وهو في أمره محصور ، وفي حصره مأسور ، فانفذت منهم طائفة لا تحصى ولا تحصر ، ولا يمكن ضبطها بديوان ولا دفتر ، وانحازت إلى الروم والروس ، وذلك لحظهم المشؤوم وجدهم المعكوس ، فصاروا بين مشركين نصارى ، ومسلمين أسارى ، كما فعله جبله ببني غسان ، واسم هذه الطائفة قرابوغدان . فبواسطة هذه الأسباب ، آل عامر الدشت إلى الخلاء والخراب ، والتفرق والتباب « 2 » ، والانفلات يهلك على الحقيقة ، لإضاعته في المجاز طريقه ، أما صيفا فلأن الرياح للرمال تسفي ، فتخفي الطريق على المارة وتعفي ، وأما شتاء فلأن الثلج النازل فيها ، يتراكم فيغطيها ، إذ كل أرضها مجاهل ، ومنازلها مذاهل ، ومراحلها مهامه ومناهل ، فعلى كل تقدير ، سلوكها مهلك عسير ، فكانت الوقعة الخامسة عشر على أيدكو فتشتت وتشرد ، وتبذر وتبدد ، وغرق هو ونحو من خمس مائة رجل من أخصائه في بحر

--> ( 1 ) - وهله : فزعه ( 2 ) - التباب : الهلاك