أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
67
عجائب المقدور في نوائب تيمور
وثمانين وسبعمائة ، وصل من قصاده إلى الشام فئة ، وهم القاضي زين الدين علي بن جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العباسي الشافعي ، قاضي بغداد وتبريز ، والصاحب شرف الدين ابن الحاج عز الدين الحسين الواسطي ، وزير السلطان وغيرهما . ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة وثب السلطان أحمد على أخيه المشار إليه فقتله ، وقام لينصر الملك والدين مكانه فخذله ، فملأ جفن حياته من الفنا سنة ، وعمره إذ ذاك نيف وعشرون سنة ، ولما استولى السلطان أحمد على ممالك العراق ، مد يد تعديه وضم جناح الشفقة والإرفاق ، وشرع يظلم نفسه ورعيته ، ويذهب في الجور والفساد يومه وليلته ، ثم بالغ في الفسق والفجور ، فتجاهر بالمعاصي وتظاهر بالشرور ، واتخذ سفك الدماء ، إلى سبل الإقراض وثلب الأعراض سلما . فقيل إن أهل بغداد مجوه ، واستغاثوا بتيمور ، فأغيثوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ « 1 » ، فلم يشعر وإلا والتتار قد دهمته ، وعساكر الجغتائي خيلا ورجلا حطمته ، وذلك يوم السبت المذكور ، من الشهر المشهور ، فاقتحموا بخيلهم ورجلهم ، وقصدوا الأسوار ، ولم يمنعهم ذلك البحر التيار ، ورماهم أهل البلد بالسهام ، وعلم أحمد أنه لا ينجيه إلا الانهزام ، فخرج فيمن يثق به قاصدا الشام ، فتبعه من الجغتائي طائفة لئام ، فجعل يكر عليهم ويرد عنهم ، ويفر منهم فيطمعهم ، وحصل بينهم قتال شديد ، وقتل من الطائفتين عدد عديد ، حتى وصل إلى الحلة ، فعبر من جسرها نهر دجله ، ثم قطع الجسر ، ونجا من ورطة الأسر ، واستمرت التتار في عقبه ، تكاد أنوفها تدخل في ذنبه ، فوصلوا إلى الجسر ووجدوه مقطوعا ، فتراموا في الماء ، وخرجوا من الجانب الآخر ولم يزالوا تابعا ومتبوعا ، ففاتهم ووصل إلى مشهد الإمام « 2 » ، وبينه وبين بغداد ثلاثة أيام .
--> ( 2 ) - سورة الكهف - الآية : 29 . ( 1 ) - مشهد الإمام علي كرم الله وجهه في النجف الأشرف .