أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

63

عجائب المقدور في نوائب تيمور

كريما مت وإلّا لئيما * فما والله بعد الموت موت فتعاضدوا بهمة صادقة ، وعزيمة على حصول الخلاص من الله تعالى واثقه ، وقد أحاطوا بهم إحاطة الشبكة بالسمكة ، وصاروا في وسطهم كالمغزل في الفلكه ، وقصدوا الراية وحامليها ، ومن يليها وذويها ، فساعدهم ساعد سعد الحياة بنصريه ، وحل عنهم القبض الداخل إنكيس « 1 » عقلته ، فأسالوا على راياتهم ذات البياض من الدماء حمره ، وفتحت لجماعتهم طريق إلى عتبة النصرة ، فلاح لهم فلاح ، ونجح لهم نجاح ، فنجوا من الشرور ، وحصل لهم السرور ، بعد أن قتلوا من العسكر أميرين أحدهما قتلغ تيمور ، ولما وصل هذا الخبر إليه ، إسودت الدنيا في عينيه ، بل انقلب الكون والمكان عليه ، ثم نهض إليها بنفسه ، وربض عليها بحرسه ، وأحاط بجوانبها ، وألقم الحرس أفواه مضاربها . صفة قلعة النجاء وهذه القلعة أمنع من العقاب ، وأرفع من السحاب ، يناجي السماك سماكها ، ويباهي الأفلاك استمساكها ، كأن الشمس في شرفها ، ترس من الإبريز على بيض شرفها ، وكأن الثريا في انتصابها ، قنديل معلق على بابها ، لا يحوم طائر الوهم عليها ، فأنى يصل طائش السهم إليها ، ولا يتعلق بخدم خدمتها ، خلخال خيال وافتكار ، فضلا عن أن يحلق على معصم عصمتها ، من عساكر الأساورة سوار ، وكان ألتون قد تربى في تراب ترابها ، وأهل مكة أخبر بشعابها ، فصار كلما سجى الليل الساجي ، وأرصد لسراق الشياطين عيونه الرواجي ، هبط من تلك القلال ، وسرى سري طيف الخيال ، ودب دبيب الشحم في اللحم ، والماء في العود ، والنار في الفحم ، من درب لم تتوهمه الظنون ، بعون من لا تراه العيون ، بحيث لا يشعر به الحرس ، ولا يبصره العسس ، ولا يزال يتلو عليهم آيات الإعفاء ، وينفث بطلسماته الاستخفاء ، ويتقرى ويترقب ، حتى

--> ( 1 ) - المنكوس في أشكال الرمل : الإنكيس : القاموس .