أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

44

عجائب المقدور في نوائب تيمور

قَسْوَرَةٍ « 1 » وقصد مكانا فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء ، واختفى بينهن وغطي بكساء ، فبادرنه وقلن نحن حرم ، وأشرن إلى طائفة من العسكر المصطدم ، وقلن هناك بغيك ، وبين أولئك طلبتك ، فألوى راجعا ، وتركهن مخادعا ، وقصد حيث أشرن إليه ، وقد أحاطت به جموع العساكر وحلّقت عليه ، قلت بديها شعرا : وما حز أعناق الرجال سوى النساء * وأي بلاء ما لهنّ به أبلى وكم نار شر أحرقت كبد الورى * ولم يك إلا مكرهن لها أصلا وكان على فرس فاقت خصالا ، فضرب فيهم بسيفين يمينا وشمالا ، وفرسه السبوح كانت تقاتل معه ، وتصدم وتكدم من يقرب منها في تلك المعمعة ، وكأنه كان ينشد معنى ما قلته في مرآة الأدب شعر : يد الله قوتني فغلت يداهم * وهذي يدي فيهم بسيفين تضرب فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال ، افترقت أمامه يمينا وشمالا ، وإن كانوا كلهم من أهل الشمال . ولكن شعر : إذا لم يكن عون من الله للفتى * فأوّل ما يجني عليه اجتهاده حتى انهكته الحرب ، وكلت يداه من الطعن والضرب ، وجندلت أبطاله ، وقتلت خيله ورجاله ، وتغيرت من كل جهة أحواله ، وسدت طرائقه ، وشدت مضائقه ، وخرست شقاشقه « 2 » وضرست فيالقه ، وخمدت بوارقه ، وهمدت بيارقه ، وحص « 3 » نجاحه ، وقص جناحه ، وخف مراحه ، وأثقلته جراحه ، وسكتت همهمته ، وسكنت غمغمته ،

--> ( 1 ) - سورة المدثر - الآيتان : 50 - 51 . ( 2 ) - الشقاشق : جمع شقشقة وهو صوت كالهدير يخرج من صدر البعير إذا هاج . ( 3 ) - حص : قل ونقص .