أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
299
عجائب المقدور في نوائب تيمور
صدعت من القلوب حجرا ، تطايرت من اقتداحها في الأرواح شررا ، فيحرق برناته الأرواح ، ويشعل بنغماته الأشباح - قال : استصحبني تيمور في بعض أسفاره ، فكنت ملازم خدمته في ليله ونهاره ، فنزلت عساكره ، على حصن لحصاره ، وضرب خيمته على مكان عال ، ليشرف منه على القتال ، ويتفرج في صنع الرجال ، ففي بعض الزمان ، حضرت عنده أنا ورجلان ، وكان قد حصل له حمى ، أورثته كربا وغما ، وكانت سماء النزال ذات حبك واحتباك ، ورماح القتال في التواء واشتباك ، فأراد أن يطالع أحوالهم ، ويشاهد أفعالهم ، وأفرطت شهوته في ذلك إلى العيمه « 1 » ، فقال احملوني إلى باب الخيمة ، فدخل ذلك الرجلان تحت إبطيه ، وأوقفاه بباب الخيمة ، وأنا بين يديه ، فجعل يشاهد حربهم ، ويتميز طعنهم وضربهم ، ثم أراد أن يأمرهم بشيء فقال لي : يا محمود إلي فأسرعت إلى يده ، ودخلت تحت عضده ، فأرسل أحد الرجلين إلى عسكره ، يأمرهم بما عنّ من عجره وبجره ، فكأنه لم يبرأ عليه ، ولم يرو غليله ، فقال لنا : دعاني ، وعلى الأرض ضعاني ، فوضعاه فسقط كأنه رمّة بالية ، أو لحمة على باريه ، ثم أرسل ذلك الرجل الآخر إليهم ، وأمرهم بما اقتضته آراؤه ، وأكد عليهم ، فبقيت أنا وهو وحدنا ، لم يبق أحد عندنا ، فقال لي : يا مولانا محمود انظر إلى ضعف بنيتي ، وقلة حيلتي ، ولا يد لي تقبض ، ولا رجل لي تركض ، ولو رماني الناس هلكت ، ولو تركوني وحالي ارتبكت ، لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ، ولا أجلب خيرا ، ولا أدفع شرا ، ثم تأمل كيف سخر الله تعالى لي العباد ، ويسر لي فتح مغلقات البلاد ، وملأ برعبي الخافقين ، وأطار هيبتي في المغربين والمشرقين ، وأذل لي الملوك والجبابرة ، وأهان بين يدي الأكاسرة والقياصرة ، وهل هذه الأفعال إلا أفعاله ؟ وهذه الأعمال إلا أعماله ؟ ومن هو أنا غير سطيح ذي فاقه ، لا باب لي في الدخول إلى هذه الأفعال ولا طاقه ، ثم بكى وأبكاني ، حتى ملأت بالدموع أرداني ، فانظر إلى هذا
--> ( 1 ) - أي الشهوة الشديدة إلى اللبن .