أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
28
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ذكر اجتماع ذلك الجافي ، بالشيخ زين الدين أبي بكر الخوافي وكان في بعض قدماته خراسان ، سمع أن في قصبة خواف ، رجلا قد منحه الله تعالى الألطاف ، عالما عاملا ، كبيرا فاضلا ، ذا كرامات ظاهرة ، وولايات باهرة ، وكلمات زاهرة ، ومقامات ظاهره ، ومكاشفات صادقة ، ومعاملات مع الله تعالى بالصدق ناطقة ، يدعى الشيخ زين الدين أبا بكر ، لطائر اجتهاده في حظيرة القدس أعلى وكر ، فقصد تيمور رؤيته ، وتوجه إليه وجماعته ، فقالوا للشيخ : إن تيمور قادم عليك ، وواصل إليك ، يقصد رؤيتك ، ويرجو بركتك ، فلم يفه الشيخ بلفظه ، ولا رفع لذلك لحظه ، فوصل تيمور إليه ، ونزل عن فرسه ودخل عليه ، والشيخ مشغول بحاله على عادته ، جالس في فكره على سجادته ، فلما انتهى إليه ، قام الشيخ فاحدودب تيمور منكبا على رجليه ، فوضع الشيخ على ظهره يديه ، وقال تيمور : لولا أن الشيخ رفع يديه عن ظهري بسرعة ، لخلته انقض ، ولقد تصورت أن السماء وقعت على الأرض ، وأنا بينهما رضضت أشد رض ، ثم إنه جلس بين يدي ذلك المنتخب ، على ركبتي الأدب ، وقال له بالملاطفة في المحاورة ، على سبيل الاستفهام لا المناظرة : يا سيدي الشيخ لم لا تأمرون ملوككم بالعدل والإنصاف ، وأن لا يميلوا إلى الجور والاعتساف ؟ فقال له الشيخ : أمرناهم وتقدمنا بذلك إليهم ، فلم يأتمروا فسلطناك عليهم ، فخرج من فوره من عند الشيخ وقد قامت منه الحدبة ، وقال : ملكت الدنيا ورب الكعبة ، وهذا الشيخ هو الموعود بذكره . ثم إن تيمور قبض على ملك هراة ، واحتاط على ما ملكت يداه ، وضبط ولاياتها جانبا جانبا ، وقرر لكل جانب نائبا ، وتوجه إلى سمرقند قافلا بما أمكنه ، وحبس السلطان في المئذنة ، وأوصد عليه بابها ، ووكل بحفظه أصحابها ، وأضاف إليهم أشد الحفاظ ، الزبانية الشداد الغلاظ ، وذلك لحلفه أن لا يريق دمه ، وأن يحفظ له ذممه ، فلم يرق له دما ، ولكنه قتله في الحبس جوعا وظمأ .