أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

290

عجائب المقدور في نوائب تيمور

من عمرو وزيد ، لا يشير أحد بضربة ولا طعنة ولا رمية إلى صيد ، بيد أنهم يردون أوابد بتلك البيداء إلى بهرة ذلك البيد « 1 » ، فامتثل كل ما به أمر ، وحين صار كالبنيان المرصوص ، صف تلك الأحزاب والزمر ، وأحاطت صافات تلك الكواسر بالوحوش إحاطة الهالة بالقمر ، ماجت بحار الوحوش في ذلك البر ، ولم تجد لها من در دور تلك السيول الهامرة من مخرج ولا معبر ، فدارت ومارت ، وخارت وحارت ، وثارت وبارت ، واستجأرت بعد ما جأرت ، واستكانت بعد ما زأرت ، وانطوت أرضها التي طالما عليها انتشرت ، وطرزت خلع أعلامها بأعلام ، وإذا الوحوش حشرت ، فبينما هي على تلك الحال ، في أشد ما يكون من الأهوال ، أمر بأن تضرب بالطبول من كل الجهات ، وينفخ في صور المزامير ، والبوقات ، فدق الكوس وزعق النفير ، وامتلأت الدنيا من الشهيق والزفير ، ورجت الأرض رجا ، ومارت الأقطار هرجا ومرجا ، وحين سمعت السباع صوت الطبول ، ورأت الوحوش هذا الأمر المهول ، سقطت قواها ، وتقطعت كلاها ، وجثت وما انبعثت ، ثم تقاربت وتلامّت وتقارنت وتضامنت ، وتصورت أن القيامة قد قامت ، فأخذ بعضها بعنق بعض ونامت ، فعانق الثور منها اللبوة ، وضاجع الأسد فيها الظبيه ، واختفى السرحان ، بين الغزلان ، واستجار الثعلب ، ببنات الأرنب ، ولاذ بالأروى النعام ، والأرنب بالعقاب ، وعاذ الضب بالنون واليربوع بالغراب ، فعند ذلك أمر الأطفال من أولاده ، وأولاد الأمراء وأحفاده ، أن يرموا ويصموا ويفنوا ، مهما أرادوا ولا يطنوا ، وجعل ينظر إليهم ، ويتفرج عليهم ، ويزهزه « 2 » لأفعالهم ، ويقهقه على أحوالهم ، ويجرئهم على الإقدام والنضال ، ويشجعهم بذلك على صيد الأبطال ، وجعلت حواشي الجيش تنجز على ما أصموا ، وتجهز على ما أنموا ، وصار ذلك المفسد ، يترنم وينشد شعرا :

--> ( 1 ) - البهرة من الزمان والمكان : الوسط ، والبيد الهلاك . ( 2 ) - الزهزاه : المختال . المعجم الوسيط .