أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
286
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ففي بعض أيام المحاصرة مطروا ، وبواسطة المطر انحصروا ، وصار يحثهم على القتال ، وركب لينظر ماذا يصنعون في تلك الحال ، فلم يرتض أفعالهم ، لما عكست أوحالهم أحوالهم ، فدعا منهم رؤوس الأمراء ، وزعماء العسكر والكبراء ، وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار شتمه ، ويشقق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه ، ونفخ الشيطان في خيشومه ، فألهب فيهم نيران غضبه وشؤمه ، وقال : يا لئام ، وأكلة الحرام ، تتقلبون في نعمائي ، وتتوانون عن أعدائي ، جعل الله نعمتي عليكم وبالا ، وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالا ، يا فاجري الذمم ، وكافري النعم ، وساقطي الهمم ، ومستوجبي النقم ، ألم تطأوا أعناق الملوك بأقدام أقدامي ، وتطيروا إلى آفاق الدنيا بأجنحة إحساني وإكرامي ، وتفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتي ، وتسرحوا في متنزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي ، بي ملكتم مشارق الأرض ومغاربها ، وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها ، شعر : ألم أك نارا يصطليها عدوّكم * وحرزا لما ألجأتم من ورائيا وباسط خير فيكم بيمينه * وقابض شر عنكم بشماليا ولا زال يهمهم ويغمغم ، ويهذرم ويبرطم « 1 » ، وهم مطرقون لا يحيرون جوابا ، ولا يملكون منه خطابا ، ثم ازداد حنقا ، وكاد أن يموت خنقا ، فاخترط السيف بيده اليسرى ، وهمز به على قمم أولئك الأسرى ، وهم أن يجعل رقابهم قرابه ، ويسقيّ دمائهم غل فرنده ، وذبابه ، وهم على تلك الحال ، في الخزي والإذلال ، باذلوا نفوسهم ، ناكسوا رؤوسهم ، ثم تراجع وتماسك ، وملك نفسه نفسه قليلا وتمالك ، فأغمد عن تشريقهم حسامه ، ولم يلق لأمره قبلة ولا دبرة ، فغلف غربه وشامه « 2 » ، ثم نزل عن مركبه ، واستدعى الشطرنج الكبير ليلعب به ،
--> ( 1 ) - يهذرم : يكثر من الكلام ، ويبرطم : يدلي بشفته من الغضب . ( 2 ) - أي غير معالم وجهه بعد أن كان غاضبا .