أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

279

عجائب المقدور في نوائب تيمور

ترصيفها ، وذكرت فيها تاريخ الدنيا من بدئها ، وسير ملوك شرقها وغربها ، ولئن ظفرت بها لأجعلنك واسطة عقدهم ، وخلاصة نقدهم ، ولأطرزن بسيرك خلع دهرهم ، ولأصيرن دولتك هلال جبين عصرهم ، إذ أنت أبو المقاحم ، والبازغ بدر نصره في شرق الغرب من دياجير الملاحم ، والمكاشف به على لسان كل ولي ، والمشار إليه في الزوايج « 1 » والجفر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي ، وصاحب القران ، المنتظر في آخر الزمان ، وهي في القاهرة فلو حصلت عليها ما فارقت ركابك ، ولا هجرت أعتابك ، والحمد لله الذي رزقني من يعرف قيمتي ، ويحرز خدمتي ولا يضيع حرمتي ، مع كلام فصيح ضارع ، بديع بليغ خالب خادع ، فاهتزت فرحا أعطافه ، وتراقصت مرحا أطرافه ، وأعجبه ذلك ، وأغراه ميله إلى كتب التواريخ والسير ، واستهواه حبه معرفة أحوال الملوك الذي ذكر ، حتى شد عما خلبه ، بسحر هذا البيان البديع وسلبه . ثم إنه استوصفه بلاد الغرب وممالكها واستوضحه أوضاعها ومسالكها ، وقراها ودروبها ، وقبائلها وشعوبها ، كما هو دأبه وشأنه ، والقصد في ذلك امتحانه ، لأنه لم يكن محتاجا ذلك ، إذ في خزائن تصوره صور جميع الممالك ، وإنما أراد بذلك معرفة مقدار علمه ، وكيفية إبداء نصحه له وكتمه ، فأملى كل ذلك من طرف لسانه كأنه يشاهده ، وهو جالس في مكانه ، وشرح تلك الأمور ، كما في خاطر تيمور . ثم قال له : كيف تذكرني وبخت نصر مع الملوك الأكابر ، ولم نزل في ذلك النسب بعيدين عن تلك المفاخر ، وما نحن من يعاسيب النحل ، فأنى تعبينا مع الفحل ؟ فقال : افعالكما البديعه ، أوصلتكما إلى تلك المنزلة الرفيعة ، فأعجبه هذا الكلام ، وقال لجماعته : اقتدوا به فإنه إمام ، ثم أخذ تيمور يخبر القاضي بما وقع في بلاده ، وما جرى بين ملوك الغرب وأجناده ، ولا زال يذكر له أخبار الناس حتى سرد عليه أخبار متعلقيه

--> ( 1 ) - جمع زيج ، والزيج جدول تحدد فيه حركات النجوم في السماء .