أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

21

عجائب المقدور في نوائب تيمور

تركستان قريبا من نهر خجند « 1 » وهو نهر سيحون ، وسمرقند بين نهري سيحون وجيحون ، فقامت بين العسكرين سوق المحاربة ، ولم ينفق بينهم فيها سوى معاملات المضاربة ، ولا زالت رحى الحرب تدور ، إلى أن انطحن عسكر تيمور ، فبينا عسكره قد فل ، وعقد جنوده انحل ، وإذا برجل يقال له السيد بركه قد أقبل ، فقال له تيمور ، وهو في غاية الضرر : يا سيدي السيد جيشي انكسر ، فقال له السيد لا تخف ، ثم نزل السيد عن فرسه ووقف ، وأخذ كفا من الحصا ، وركب فرسه الشهبا ، ونفخها في وجه عدوهم المردي ، وصاح بقوله ياغي قاجدي « 2 » ، وصرخ بها تيمور تابعا ذلك الشيخ النجدي ، وكان عباسي الصوت « 3 » ، فكأنه دعا الإبل الظمأى بمجوت جوت « 4 » ، فعطفت عساكره عطفة البقر على أولادها ، وأخذت في المجالدة مع أضدادها وأندادها ، ولم يبق في عسكره من جذع ، ولا قارح ، إلا وهو بقوله « ياغي قاجدي » صائح ، ثم إنهم كروا كرة واحدة ، بهمة متعاقدة ، ونهمة متعاضدة ، فرجع جيش قوقتاميش منهزمين ، وولوا على أعقابهم مدبرين ، فوضع عسكر تيمور فيهم السيوف ، وسقوهم بهذا الفتوح كاسات الحتوف ، وغنموا الأموال والمواشي ، وأسروا أوساط الرؤوس والحواشي . ثم رجع تيمور إلى سمرقند ، وقد ضبط أمور تركستان وبلاد نهر خجند ، وعظم لديه السيد بركة ، وحكمه في جميع ما استولى عليه وملكه ، وهذا السيد اختلف القول فيه ، فمن قائل إنه كان مغربيا بمصر حجاما ، فذهب إلى سمرقند ، وتسيدبها وعلا قدره وتسامى ، ومن قائل إنه كان من أهل المدينة الشريفة ، ومنهم من يقول إنه من أهل مكة المنيفة ،

--> ( 1 ) - خجند واقعة على بعد خمسين كم جنوبي الضفة اليسرى لنهر سيحون ، وذلك في سهل فرغانة ، وإلى الجنوب الشرقي من طشقند ( انظر فهارس كتاب تركستان حتى الغزو المغولي لبارثولد ) . ( 2 ) - أي انمحق وباد . ( 3 ) - شهر العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوة صوته ( 4 ) - نداء بالفارسية لتجميع الجمال .