أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

220

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وثمد « 1 » ، واستنهض آراء المشفقين من الأصحاب ، واستدفع بهم ما نزل به من مخلب البلايا وناب ، وقرع لفتح ما أرتج عليه مما لا طاقة له به كل باب ، فاستجابوا دعاءه ، وأجابوا صداه ونداءه ، وتأوهوا لمضضه ، واستطبوا لمرضه ، وجمعوا من العملة والفعلة الأسود والسراحين « 2 » ، فعلموا في سوق الأنهار من الأعمال ما يدير الطواحين ، وجعلوا يعاندون البرد ، ويقطعون في طريق الماء الجمد ، فكانوا كالضارب في حديد بارد ، والمكابد بتزويق وعظه تليين قلب الجاحد ، حتى سهلت حزونه ، ورق لمكابدتهم فدمعت عيونه ، وصاروا لا يقطعون من الجليد ، مقدار ذراع بالحديد ، إلا وتهب نسيمة يابسة ، على تلك الوجوه العابسه ، فإذا هب بارد النسيم ، قابله الماء بوجه بسيم ، فيبرد قلبه عن نارهم ، ويصرد « 3 » لبه عن أوارهم ، فيجمد ما فوق ذلك ، فتضيق عليهم المسالك ، فيرجعون القهقرى ، ويمشون كالحبالى إلى ورا ، والله داد مع ذلك يبذل الأموال ، وينادي مستغيثا : يا للماء يا للرجال ، قلت شعرا : فكان كل منهم كالحمار * يخرج ما أمكنه بالمدار يوقفه الماء لإجرائه * وكلما أوقفه البرد دار إلى أن وقع الاتفاق بين الرفاق ، أن هذه مسألة تكليف ما لا يطاق ، وحين تبين له أمرهم ، وتعين عنده عذرهم ، قارنه الحظ الحالك ، وتيقن أنه لا محالة هالك ، وأنه قد وقع في البلاء العريض الطويل ، وأن مخدومه ما طلب منه في ذلك المحل الدقيق إلا لأمر جليل ، وكان بلغه ما وشاه به أضداده ، ونقل إلى تيمور عنه أعداؤه وحساده ، وعلم أن خاطره تغير عليه ، وفعله مع محمد جلد مشيد جامعه قد نقل إليه ، وكيف قتله شر قتله ، ونهب أمواله ، وأسر أولاده وأهله ، وكان متوقعا من تيمور ،

--> ( 1 ) - العد : الماء الجاري الذي لا ينقطع ، والثمد : المال القليل الذي يجتمع في الشتاء وينضب في الصيف . ( 2 ) - السراحين هنا : الذئاب . ( 3 ) - يصرد : يسقي الماء قليلا دون إرواء