أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
215
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فتوجهوا إلى تلك الداره ، بالعساكر الجراره ، واشتغلوا على غير عادتهم بالعماره ، وكان توجه هذه الفئة ، في أواخر سنة ست وأوائل سبع وثمانمائه ، وقصد بذلك أن تكون لهم معقلا ، وعند توجههم إلى الخطا وإيابهم ملجأ موئلا . فلما أحكموا أساسها ، وصنفوا أنواع بيوتها وأجناسها ، ووضعوا من أحجار الأساسات أقدامها ، ورفعوا على أعلام الأسوار أعلامها ، أرسل إليهم مرسوما أنهم يرجئون أمرها ، ويتناسون ذكرها ، ويأمرهم فيه بالرجوع ، والاشتغال بتعليق البلاد بالزروع ، بحيث أن فقهاء المدارس والديار ، من أهل القرى والأمصار ، والمشتغلين بفقه المزارعة والمساقاة من فلاحي الأنجاد والأغوار ، وأهل الرزداقات والأكاره « 1 » ، من حدود سمرقند إلى إشباره ، يتركون مسائل المعاملة والمبايعة ، ويكررون البحث قولا وعملا في درس المساقاة والمزارعة ، ويؤذن في جماعتهم أن يقيم كلا منهم في الزرع صلاحه ، وإن اضطر أحدهم أن يترك صلاته فالحذر أن يترك فلاحته ، ورام بذلك أن يكون لهم في سفرهم عتادا ، وان نقص لهم في الدرب قضيم وخصيم زادا ، فتركوا العماره ، وقصد كل من الأمراء دياره ، واشتغلوا باستخراج البقر والبذار ، واجتهدوا في إحياء جميع الموات ، كما رسم وأشار ، فما فرغوا من ذلك إلا وقد طوى الصيف بساطه ، ونشر رائد الخريف على العالم أعلامه وأنماطه . ذكر عزمه كما كان على الخطا ومجيئه سكرة الموت بالحق وكشفه عنه الغطا ثم انتقاله من سفره إلى سقره فلما أفاق ، أخذ فيما كان عليه من التوجه إلى الآفاق ، وقصد الحواشي والأطراف ، واستخلاص الممالك والأكناف ، وصرف عنان الذهاب ، نحو الخطا على عادته ، وكان ذلك عين الصواب ، فأرسل إلى أمم عساكره أن يستوفزوا ، ويأخذوا أهبة أربع سنين أو أكثر ويتجهزوا .
--> ( 1 ) - الزداقات : القرى وما يتعلق بها من الأراضي ، والأكار هم حراث الأرض .