أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
208
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ولقد كانت سمرقند مجمع الأفاضل ، ومحط رجال أهل الفضائل ، فرتبت كل طائفة ما أخرجته على حدة في مكانه ، أمام سرادقاته وصيوان ديوانه ، ونصبت وراء ذلك كله الأسواق ، وضربت بين الناس بوقات الأبواق ، وزينت الفيول وجياد الخيول بأفخر لباس ، وأطلق عنان الرخص والتمتع بأنواع الملاهي والملاذ للناس ، فسارع كل طالب إلى مطلوبه ، واجتمع كل محب منهم مع محبوبه ، من غير أن يتعدى أحد على أحد ، أو يستطيل أعلى من يكون على أدنى من يكون من الجند وأهل البلد ، أو يجري تعد ما ، من شريف ما على وضيع ما . فصل : ولما استتبت الأمور على مراد تسويل قرينته ، وأخذت الأرض زخرفها ، وأزينت من جنده وأهل مدينته ، توجه إلى ذلك المرج على وقاره وسكينته ، وخرج على قومه في زينته ، ثم أمر أن تجري يواقيت الصهباء ، على زبرجد ذلك المرج الأحوى ، وسبلها لكل ناظر وعام ، فسبح في تيارها كل خاص وعام ، فدارت في سماء تلك الأرض للسرور أفلاك ، وهبطت في أفقها بوحي اللذات من أفلاك الملاحة أملاك ، فأصبحت تلك الأسود الخوادر ، وهي ظباء جواذر ، وتنزلوا من جحيم المنازله ، إلى نعيم المغازله ، وتبدلت تلك الغلاظة والكثافة ، باللطافة والظرافه ، وأصبحوا بعد جورهم يتجاورون ، وبمعنى ما قلته يتحاورون ، شعر : محا الظلم من بين الورى سيف عدلنا * فلم يتشبث مستغيث بمعتدي سوى قلب صب صاده طرف أحور * وخصر نحيل آده ردف أغيد فما صار يصول سيف إلا أن كان صارم لحظ وهو ذلك مكسور ، ولا يجول ذابل إلا إن كان رمح قد وهو مع ذلك بالعناق مهصور ، وصرت لا ترى إلا عودا يحرك أو يحرق ، أو قدحا يروب أو يروق ، أو شاربا يعربد ، أو جارية تسقي ، أو ساقية تجري ، أو خد ورد يعشق ، أو ورد خد ينشق ، أو كأس ثغر يرشف ، أو غصن خصر للعناق يقصف ، أو فرص عيش تغتنم ، أو لسان حال ينشد ويترنم شعرا :