أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

196

عجائب المقدور في نوائب تيمور

مخيمهم الذيل ، لأنهم لم يمكنهم حواليها مبيت ولا مقيل ، فتضع النصارى الجسر ويرمون إلى حاجاتهم السبيل ، فلما لاح له منها أمارات الحرمان ، وبان له أن أمل ظنه من فتحها قد مان ، كما قلت : وأعظم شيء في الوجود تمنعا * نتاج مرام من عقيم زمان صمم العزيمة على الرحيل ، ولكن خاف العار ، فطلب لهذه المسألة الدليل والتعليل . ذكر سبب أخذه لهذه الحصن المنيع وبيان معاني ما جرى في ذلك من صنع بديع وكان في عسكره شابان نديدان ، أسدان حديدان ، يتشابهان في الخلق والخلق لم يكن بينهما في الرجولية والشجاعة كثير فرق ، يتحاربان في كل وقت في ميدان المناقب لإحراز قصب السبق ، فكانا كفتي ميزان ، وفي مضمارها فرسي رهان ، فاتفق ان أحدهما صادف علجا من الكرج ، في الجراءة كالأسد ، وفي الجثة كالبرج ، فنازله ثم قتله ، وقطع رأسه وإلى تيمور حمله ، ففخم شأنه ، وأعلى على الأقران مكانه . فأثر ذلك في نديده ، فكأنه قطع حبل وريده ، ثم افتكر في شيء يصنعه ، يضع من ند يده ويرفعه ، وكان اسمه بير محمد ، ولقبه قنبر ، فلم ير أكبر من مراقبة ذلك الجسر ولا أشهر ، فاعتمد على الله سبحانه وحده ، واستكمل ماله من أهبة وعده ، ورصد نجمه في بعض الليالي ، ولطافي مكان خالي ، ولا زال يترقب النجوم ، ويترصد عليهم طوالع الانقضاض والهجوم ، ويشبر تلك القنن بيديه ويذرع ، ويمشي تارة على بطنه وأخرى على أربع ، إلى أن طرح الضوء نقابه ، وسلخ الجو إهابه ، ورجع النصارى إلى كسرهم ، وتعاونوا على رفع جسرهم ، طفر بير محمد إلى الجسر فقطع حباله ، وتابع عليهم من حنيته نباله ، ولم يمكنهم من رفعه ، ولا غير موضوعه عن وضعه ، فتراكموا عليه بالنبال والأحجار ،