أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

168

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وحصانتها فائقة ، من إحدى جهاتها نهر الفرات يقبل أقدامها ، ومن الجهة الأخرى واد متسع يحفظ أعلامها ، لا يمكن للأقدام فيه الثبات ، وهو مسيل ماء يصب في نهر الفرات ، ومن الجهتين الأخر بين هضاب ، يتلو لسان البصيرة عند وقوع البصر عليها إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ « 1 » . فأخذها من غير كلفه ، وولج حرمها من غير طواف بها ولا وقفه ، وذلك بعد أن قدم محمد سلطان عليه ، ووكل أمر حصارها وقتالها إليه ، وسبب ذلك ان الوادي الذي وراءها ، كان يرد بالخيبة لو عورته من جاءها ، لكونه مزلة الأقدام ، واسع الأفعام ، بعيد مهوى المرام ، لا يثلب لسان السهم له عرض عرض ، ولا يثبت له تحت قدم غواص البصر قرار أرض ، فبمجرد ما وقع نظره عليها ، نظر بعين الفراسة إليها ، ثم أمر بقطع الأخشاب ، ونقل الأحطاب ، فلم يكن إلا كلمح البصر ، حتى هدموا البيوت وقطعوا الشجر ، ونقلوا جميع ذلك الخشب والأعواد ، وطرحوها في قعر ذلك الواد ، فساووا به الأرض ، وملأوا طوله والعرض ، وحين شعر أهل القلعة بهذه الأفعال ، ألقوا النار والبارود على تلك الأخشاب ، فأخذت في الاشتعال ، وأما أساس القلعة فلا ينال ، لأنه راكب على قلل الجبال ، فلم يبدد ذلك من أمره ، ولم يشرد من فكره ، بل أمر في الحال ، كل واحد من الرجال ، أن يأتي من تلك القفار ، بعدل من الأحجار ، فانبثوا كالنمل والجراد ، في تلك المهامه والأطواد ، والبراري والمهاد ، وجابوا الصخر بالواد ، ففي الحال ملأوا تلك الداره ، من الحصباء والحجارة ، ثم أمر أن يفعل بتلك الحجارة في ذلك المهوى البعيد ، ما يفعل بهم في جهنم ، يوم يقال لها : هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ « 2 » فألقوا في ذلك الوادي بعض ما لموه ، من أكداس تلك الحجارة فطموه ، وبقي في بيادر ذلك الحجر ، أضعاف ما رمي من

--> ( 1 ) - سورة ص - الآية : 5 . ( 2 ) - سورة ق - الآية : 30 .