أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

154

عجائب المقدور في نوائب تيمور

إقلاع هاتيك الرزايا واقشاع غمام تلك الدواهي والبلايا عن بلاد الشام بما تحمله من أوزار وخطايا وآثام ثم ارتحل ذلك الفتان ، وأقلع صيب بلائه الهتان ، يوم السبت ثالث شعبان ، وقد أخذوا من نفائس الأموال فوق طاقتهم ، وتحملوا من ذلك ما عجزت عنه قوى استطاعتهم ، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل ، ويلقونه شيئا فشيئا في أوعار المراحل ، وذلك لكثرة الحمل وقلة الحوامل ، وأضحت القفار والبراري ، والجبال والصحارى ، من الأمتعة والأقمشة ، كأنها أسواق الدهشة ، وكأن الأرض فتحت خزائنها ، وأظهرت من المعادن والفلزات كامنها ، قلت بديها شعرا : وصار لسان شرهم ينادي * على قنن الشواهق والبوادي إلا ذي شنشنة عرفناها ، وعادة فساد ألفناها ، من ملكنا ودينة اقترفناها ، نهبنا أموال المسلمين وحفظناها ، وما في وجهها صرفناها ، ولكنا حملنا أوزار من زينة القوم فقذفناها ، ومع ذلك فلو أخذ من نفائس دمشق أضعاف ما أخذ ، وفلذ من أكباد ذخائرها آلاف ما فلذ ، ما غاض ذلك ما في عتبتها ، ولا نقص من بحار معينها ، ولكن النار كانت هي البلاء الداهي ، والمصاب المتناهي ، لأنها أحرقت غالب من كان داخل البلد لعدم الغواث ، فما ظنك بما يكون من العمار والأقمشة والأثاث ، وضريت الكلاب بأكل لحوم من مات داخل البلد ، فما صار يجسر على العبور إلى جامع بني أمية أحد . ذكر ما جرى في مصر وسائر الأقطار عند سماعهم هذه الأخبار واستيقانهم هذه الأهوال والأخطار فأما مصر فما دونها من البلاد فإنها تخبطت ، وانحلت قواها ، وأيديها تربطت ، وعدمت القرار ، واستعدت للفرار ، فلو رأيت الناس وهم حيارى ، سكارى وما هم بسكارى ، أبدانهم راجفة ، وقلوبهم واجفة ،