أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
113
عجائب المقدور في نوائب تيمور
من القاضي رغبه ، وخاف لشدة دهيه هربه ، فوصى به وحرج عليه ، وأقام له معقبات يحفظونه من خلفه ومن بين يديه ، فأرسل إليه القاضي إليه رسولا ذكيا ، فناداه نداء خفيا ، وأجزل له العطية ، ووعده مواعيد سنيه ، وفرق ما بين السلطانين من الحسن والقبح ، كفرق ما بين البحرين العذب والملح ، والملواوين : المساء والصبح ، فلبى دعوته بالقبول ، وواعد للخروج بعض القفول ، ثم خرج ولهيب الحر قد وقد ، والسلطان أحمد عند الحريم قد رقد ، ووضع ثيابه على ساحل دجله ، ووجه إلى داخل النهر في الطين رجله ، ثم غاص في الماء ومخر ، وخرج من مكان آخر ، ولحق برفقائه ، واختفى بينهم اختفاء اليربوع في نافقائه « 1 » ، فطلبه السلطان أحمد ، ففتشوا عليه فلم يوجد ، فبالغوا في طلابه ، إلى أن وقفوا على ثيابه ، ورأوا آثار رجليه في الطين ، فلم يشكو أن الموج اختطفه فكان من المغرقين ، فكفوا قدم السعي عن طلبه ، ولم يضيقوا على أحد بسببه . ثم بعد أيام يسيره ، أخرج غريق بغداد رأسه بسيواس عند القاضي برهان الدين من تحت الحصيره ، ففرقه في بحر نواله ، وأسبغ عليه ذيل كرمه وأفضاله ، فصار عنده مقدما ، ولديه مبجلا معظما ، ألف له تاريخا بديعا ، سلك فيه مهيعا « 2 » رفيعا ، وانتهج منهجا منيعا ، ذكر فيه من بدو أمره إلى قرب وفاته ، مع مواقفه ووقائعه ومصافاته ، ووشحه بظريف كناياته ، ولطيف استعاراته ، وفصيح لغاته وبليغ كلماته ، ورشيق إشاراته ودقيق عباراته ، مدّ فيه عنان اللسان ، وهو موجود في ممالك قرمان ، في أربع مجلدات ذكر ذلك لي من غاص بحره ، واستخرج دره ، ووقف على تاريخ العتبي في اليمين « 3 » ، السلطان محمود بن سبكتكين ، وأن هذا أحسن من ذلك أسلوبا ، وأغزر يعبوبا ، وأعذب مشروبا ، مع أني لم أقف
--> ( 1 ) - اليربوع نوع من الفأر ، ونافقائه : جحره ( 2 ) - طريق مهيع : منبسط واسع . العين ( 3 ) - تاريخ اليميني أي تاريخ يمين الدولة محمود بن سبتكين ، المؤسس الفعلي للدولة الغزنوية .