أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

91

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وبعد : إنّه لمن الفرص الثمينة لأمّتنا الإسلاميّة في هذه المرحلة من تاريخها العصيب والتي تواجه فيها تيّارات واتّجاهات مضادّة تملك من الإمكانات الماديّة والأيديولوجيّة والتنظيميّة ما يكون جديراً بها أن تتوفّق لزرع الشكوك في نفوس أبنائها وتشتّت أفكارهم والتضعيف من إيمانهم بأقدس رسالة وأمثل شريعة اختارها الله سبحانه وتعالى لعباده في هذه الحياة . أقول : إنّها لفرصة ثمينة لهذه الأمّة أن تجد بعد عناء جهيد وصبر طويل قيام تجربة إسلامية تحاول أن تستمدّ دستورها من مبادئ الإسلام ، فحسب وعلى ضوء ما يشرّعه من أنظمة وقوانين ومناهج كفيلة بأن تضمن لإنسانها في كافة شؤونه وما يحتاج إليه في الحياة العدالة والسعادة والرقي . وهذه الفرصة بقدر ما توجب الشعور لدى الواعين من أبناء الأمّة العارفين قيمة [ أيديولوجيّتهم ] بالارتياح والنصر والعزّة تثير فيهم من ناحية أخرى مخاوف خطيرة من جرّاء احتمالات فشل هذه التجربة وعدم نجاحها في تحقيق كلّ تلك الآمال التي كانت تعيشها الأمّة وتنتظرها ويقصد إليها المخلصون من أبنائها عبر صراعهم الفكري و [ الأيديولوجي ] مع الاتّجاهات الأخرى المعاصرة ، ذلك أنّه في حالة من هذا القبيل سوف تنتكس تلك الروح المعنويّة عند أبناء الأمّة وتتزلزل ثقتهم بقدرتهم على إدارة الحياة البشريّة المعاصرة على أساس [ أيديولوجيتهم ] الإسلاميّة التي آمنوا بها ودافعوا عنها بكلّ غالٍ ونفيس وفي ذلك بلاءٌ للمؤمنين عظيم . ولذلك فنحن نهيب بكلّ المسؤولين المشاركين في هذه التجربة أن يكونوا على مستوى أداء هذه المسؤوليّة الجسيمة ، بأن يستشعروا - أوّلًا - مدى خطورة الموقف ودقّته ، ويؤدّوا - ثانياً - دورهم في تحمّل هذه المسؤوليّة بكلّ أمانة وإخلاص بمبادئ الإسلام دون تأثّر بالتيارات و [ الأيديولوجيّات ] الأخرى ، و - ثالثاً - أن يستفيدوا بهذا الصدد من كافة الإمكانات الفكريّة والفقهيّة التي تملكها أمّتنا الإسلاميّة بمختلف فرقها ومذاهبها . ولا أظنُّ أنّ هناك من لا يشاركني الاعتقاد بأنّ هذه النقطة الأخيرة هي أهمّ مراحل هذه المهمة وأكثرها إيجابيّة في الوصول إلى الهدف المنشود ، ذلكَ أنّ وضع دستور يستمدُّ كلّ بنوده وفصوله من الإسلام بنحو يكفل [ تنظيم ] كلّ جوانب الحياة الإنسانيّة المعاصرة وإشباع كلّ ما تتطلّبه من حاجات على مستوى العصر ليس بالأمر الهيّن اليسير ، إذ الموسوعات الفقهيّة وكتب الفتاوى التقليديّة - كما تعلمون - لا تتضمّن ما يمكن طرحه مباشرة دستوراً شاملًا للدولة ونظاماً متكاملًا لحياة الأمّة ، لأنّها من ناحية لا تستوعب كلّ ما يحتاجه إنسان اليوم من علاج فقهي وقانوني لمشاكله الحياتيّة ، وإذا ما استوعب جانباً منها أحياناً فبشكل ناقص ومحدود ينسجم مع ظروف غير باقية على حالها . ومن ناحية أخرى إنّها تعبّر عن اجتهادات قد مارسها وفتاوى قد استنبطها من مصادر الشريعة الأوليّة المتمثّلة في الكتاب والسنّة فقهاء عاشوا في فترة زمنيّة سابقة لا تتطابق في الظروف والملابسات المدنيّة والاجتماعيّة والفكريّة مع حياتنا المعاصرة ومشاكلها وحاجاتها ، فأصبح تطبيقها - خصوصاً وقد أغلق باب الاجتهاد منذ زمنٍ بعيدٍ عند أكثر المذاهب الإسلاميّة - غير قادر على تحقيق تلك الآمال العريضة التي [ يصبو ] إليها المخلصون من أبناء هذه الأمّة ، العاملون في سبيل إعادة مجدها وعزّتها بالإسلام ، لأنّ تطبيقها حرفيّاً كثيراً ما لا ينسجم مع الظروف المستمدّة أو لا تفي بإشباع كلّ الحاجات ، وتركها إلى الأنظمة الوضعيّة الحديثة أو تطعيمها بشيءٍ منها خروج عن حكم الله سبحانه وتعالى إلى حكم الإنسان وسقوط في الازدواجيّة بين الإسلام والكفر ، وهو عين النفاق والارتداد فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 1 » .

--> ( 1 ) النساء : 65 .