أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

57

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وكان أمين الساري لا يفارق منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) ما دامت أبوابه مفتوحة لاستقبال الزوّار في كلّ يوم ، فكان يخبر مديريّة أمن النجف بكلّ ما يشاهده في منزل السيّد الصدر ، ومنها اللقاءات والاجتماعات التي تتمّ في الغرفة الخاصّة بعيداً عن جهاز الهاتف الجاسوس . وقد أحسّت السلطة بأنّ مراقبتها السيّد الصدر ( رحمة الله ) عن طريق أفراد الأمن ومنهم بعض المتستّرين بلباس أهل العلم لم تحقّق الأهداف المتوخّاة ، فلجأت إلى التجسّس عن طريق الأجهزة الالكترونيّة « 1 » . المحاولة الأولى وبدأ تنفيذ هذه الخطوة بعد أن أصدر السيّد الصدر ( رحمة الله ) فتواه الشهيرة بحرمة الانتماء إلى حزب البعث وعدم تمكّن الرقابة البشريّة من رصد هذه الخطوة في الوقت المناسب ، ممّا شكّك السلطة في دقّة مراقبة أجهزتها الأمنيّة للسيّد الصدر ( رحمة الله ) . وكان من المتوقّع أن تلعب هذه الأجهزة دوراً فعّالًا في أداء مهمّاتها التجسّسيّة لو لم يتمّ اكتشافها في الوقت المناسب واتّخاذ الاحتياطات اللازمة التي من شأنها إبطال فعّاليتها في تحصيل المعلومات التي كانت السلطة تتوخّاها . وقد عمدت السلطة إلى أسلوبين للتجسّس الألكتروني : أحدهما : الأجهزة السلكيّة التي تزرع في جهاز الهاتف . والآخر : الأجهزة اللاسلكيّة التي تزرع في نقاط كهربائيّة داخل المنزل لتستمدّ الطاقة الكهربائيّة منها ، وتبعث الأصوات عن طريق الذبذبات اللاسلكيّة . فقد قامت السلطة بنصب جهاز إلكتروني دقيق داخل هاتف منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) مهمّته التقاط الأصوات بدقّة عجيبة في حالة عدم استعمال الهاتف ، فيكون هذا الجهاز بمثابة لاقطة صوتيّة تعمل ليلًا ونهاراً من دون انقطاع . وبدأت قصّة هذه المحاولة حينما تعطّل في صباح يومٍ من الأيّام جهاز الهاتف عن العمل ، وكان المتصوّر أنّ خللًا بسيطاً حدث فيه ، وهو أمرٌ طبيعيٌّ يحدث لكلّ هاتف ، فتمّ الاتّصال بدائرة الهاتف وطلب إصلاح العطل . هنا حاول عامل البريد والهاتف تعتيم القضيّة - وهو لا شكّ يعمل ضمن مديريّة أمن النجف - فطلب الانتظار قليلًا ليفحص خطّ الهاتف ، وبعد دقائق قال : إنّ الخطّ سالم ولا عيب فيه ، وإنّما الخلل في هاتف المنزل نفسه ، فطلب إحضاره ليقوم بإصلاحه . إلى هذا الحدّ كانت الأمور طبيعيّة ولم تحصل حالة من الشكّ ، وتمّ إرسال الهاتف إليهم ، فوعدوا بإصلاحه بعد ساعة أو أقلّ . وخلال هذه الساعة تذكّر الشيخ النعماني أنّ في المنزل هاتفاً آخر فحاول الاستفادة منه بدلًا عن الهاتف العاطل ، فوجد أنّ هذا الجهاز لا يعمل أيضاً ، ممّا أثار الشكّ في تصرّف دائرة البريد والهاتف . وبعد ساعة استلم السيّد الصدر ( رحمة الله ) الهاتف ، وكان من حُسن الصدف أنّ هاتفاً آخر من النوع والشكل نفسه كان بحوزتهم ، فقاموا بفتحهما معاً للمقارنة بين أجهزتهما الإلكترونيّة ومعرفة ما إذا

--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 115 .