أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
304
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
فما من مشكلةٍ دينيّةٍ من مشاكل الحياة إلّا درسوها ، ورجعوا في أمرها إلى أصول التشريع ومصادر الاستنباط ، ليخلصوا منها بالرأي السديد والحكم الرشيد ، وبخاصّة المعاملات الماليّة التي يدور عليها نشاطالمصارف وكثيرٍ من الشركات . إنّها معاملات محدثة ، ليس للناس بها عهد ولا لهم فيها سلف . وهم لذلك يقفون حيالها حيارى لا يدرون ما هم صانعون بها ، ثمّ تتفرّق بهم السبل ، فمنهم من يمسك عن تعاطيها خشية وتحرّجاً . ومن يدري ، لعلّه لو استجاب لدَاعِيتَهِا لكان له منها خيرٌ كثير ، ولقومه منها عونٌ على البرّ ، ومشاركةٌ في تيسير الحياة العامّة ، والتنمية الاقتصاديّة . ومنهم من لا يثبت على مقاومة الدعاية لهذه المعاملات ، فلا يسعه إلّا أن يقبل عليها قلقاً أو مطمئناً ، وهو آخِراً آنسٌ بها وراضٍ عنها بالمعاودة والتكرار . إلّا أنّه إذا صحَّ لأهل دينٍ أن يمسكوا عن النظر في أصول دينهم ، والاستنباط منها عند الحاجة ، فليس يصحُّ ذلك من فقهاء المسلمين ، فهم يعلمون أنّ الإسلام يكرم العقل ، ويطلق له حريّة التفكير في ملكوت السماوات والأرض ، وفي كلِّ ما خلق اللّه من شيء ، ويدعوه إلى تدبّر القرآن وإعمال النظر فيه ليكون الإيمان الذي يحثُّ عليه عن بيّنة واقتناع ، لا عن متابعة غافلة ، وتفكير لا وعي معه ، فهو سبحانه يقول : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ] « 1 » ، ويقول : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 2 » ، ويقول : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ] « 3 » . إذن يمكن أن يقال بحق : إنّ علماء الشيعة - من هذا الجانب - آخذون بسنّة السابقين الأوّلين من أئمّة المسلمين ، وأحرصُ على وصل الحاضر بالماضي ، لتمضي المسيرة الشرعيّة في طريقها قدماً ، لا تصدّها المشكلات العارضة ، أو يعوقها التهاون والإعراض . بعث هذه الخواطر في نفسي أنّ كتاب ( الفتاوى الواضحة ) مصنَّفٌ في فقه الشيعة ، وأنّ مؤلّفه الجليل من كبار أئمّتهم المجتهدين المبرزين ، ثمّ أقبلتُ على الكتاب أطلع طَلْعَه ، وأتنقّل فيه من قضيّةٍ إلى قضيّة ، فراقني منهجه ووضوح بيانه ، لا يزيدني الإيغال فيه إلّا إقبالًا عليه ، وإعجاباً به . وقد يظنُّ ظانٌّ أنّ كتاباً يؤلّف في الفقه ليس بالعمل الكبير ، ولا هو بالذي يعزُّ على المحاولة لمن يريد ، فالمادّة مبذولة ، وما هي ممّن يطلبها بعيد . وهو ظنٌّ يمكن التسليم به وإقرار صاحبه عليه ، أو وقف المؤلّف في تأليفه على مجرّد الجمع والترتيب ، لا تتمثّل فيه شخصيّته ، ولا خصائص منهجه ، ومذاهب تفكيره . أمّا أن يكون الكتاب على مثال ( الفتاوى الواضحة ) ، ثمرة الدراسة العميقة لأحكام الفقه ، والإحاطة الشاملة بمسائله ، والفهم الدقيق لمصادره وموارده ، لا تمتنع عليه خوافيه ، ولا تغرب عنه أسراره . أمّا أن يكون الكتاب على هذه الصّبغة ، فهو عملٌ كبيرٌ لا يتيسّرُ مثله إلّا للقليل . وبعد ، فإنّ السيّد الباقر عالمٌ رحب الأفق ، متعدّد الجوانب ، له مشاركةٌ محمودةٌ في كثيرٍ من العلوم - قديمها والحديث - . ولا يتّسع المقام لتعريف سائر كتبه ، فذلك حديثٌ يطول ، ولكنّي أكتفي بكلمةٍ عن كتابه ( البنك اللاربوي في الإسلام ( رحمة الله ) ، فهو يمثّل صورةً من اجتهاده في استنباط الأحكام ، إلى أنّه وثيق الصلة
--> ( 1 ) آل عمران : 90 - 91 ( 2 ) الذاريات : 21 ( 3 ) ص : 29 .