أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

228

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

بلقياك كما أوحشني بفراقك ، وجمع شملي بقربك كما تمزّق قلبي لبعدك ، فإلى الله سبحانه المشتكى وعليه المعوّل في الشدّة والرخاء ، والعاقبة للمتّقين . وها أنا أكتب هذه السطور وقد أوشكت فترة الفراق أن تتكامل سنة ، وما أطولها من سنة ليس على قلب أبيك فقط بل على كلّ ما يحيط به ، وحتّى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور فإنّي في كلّ يوم أجد نفسي وكأنّي أتطلّع إلى دخولك بين الساعة وأخرى وكأنّي لا أريد أن أعترف ببعدك ، وكأنّك لا تزال جزءاً ثابتاً من الحياة الاعتياديّة اليوميّة لهذا البيت الذي أحبّك واحتضنك وآمن بك وشهد فيك مثل الوفاء والنبل والبنوّة البارّة . منذ مدّة طويلة لم أتسلّم منكم رسالةً إطلاقاً على الرغم من أنّي أرسلت إليكم عدّة رسائل ، وكان بعضها قبل سفركم إلى العمرة ، كالرسالة التي أرسلتها مع العائلة ، وبعضها في أثناء سفركم إلى العمرة وأنا لا أعلم بسفركم ، وبعضها بعد ذلك ، ولا أدري هل وصلت جميع هذه الرسائل أو لا ؟ ! وكان آخر أخبارنا عنكم عن طريق الشيخ أبي صادق « 1 » الذي سعد بلقياكم ورفقتكم برهة من الزمن وقد حدّثني عنكم وعن وضعكم وعن الجامع والصلاة والوجود الاجتماعي ما سرّني وأسعدني ، فالحمد لله على عظيم لطفه ونسأله أن يجعلنا على مستوى أداء شكره . وأمّا بالنسبة إلى السؤال الذي نقله الشيخ أبو صادق عنكم فيما يتعلّق بالآغايون المبسوطي اليد ومضايقتهم إلى حدّ ما ، فالحقيقة أنّ السلوك بمقدار ما يتّصل بهذه النقطة لا يمكن من هنا رسم تفصيله ، وذلك لأنّه يتوقّف على الإحاطة التفصيليّة بكلّ الخصوصيّات ، ولكن يمكن بيان نقاط ثابتة ينبغي أن تبلوروا سلوككم ضمن تلك النقاط : الأولى : أنّ المهم فيما يتّصل بهذه النقطة ملاحظة وضع الأمّة في المنطقة التي أنتم فيها ، فيكون الابتعاد عن الآغايون أو عدم الاقتراب بتلك الدرجة التي يتوقّف عليها حفظ الوجود والثقة في الأمّة . الثانية : أنّه لا ينبغي التورّط في أيّ اصطدام بالآغايون أو إثارة موجبة للحساسيّة حتّى ولو كان ذلك ممّا يوجب ارتفاع الشأن مؤقّتاً لدى الناس لأنّ ذلك في المرحلة الحاضرة ضرره أكثر من نفعه . الثالثة : إذا توقّف توسيع النشاط الديني على شيء من الاقتراب من الآغايون وبمجاملتهم وكان ذلك موجباً لتضعضع الثقة والوجود في الأمّة وقع التزاحم ونتيجته رفع اليد مؤقّتاً عن تلك المرتبة من توسيع النشاط التي تؤدّي إلى هذا التزاحم . حدّثني الشيخ أبو صادق عن تصوّراتكم ورغبتكم في إنشاء ما يشبه الدورة « 2 » كحوزة علميّة صغيرة مرتّبة ، وسرّني ذلك جدّاً وأبتهل إلى المولى سبحانه وتعالى أن يسدّدكم ويوفّقكم لإنجاز ذلك على أفضل وجه ويتقبّل منكم بأفضل ما يتقبّل عن عباده الصالحين . ولدي العزيز أرجو أن تكونوا على صلة بالنحو الذي لا يتنافى مع المسافة الطويلة الواقعة بين أردبيل وقم - مع ولدنا عبد الكريم القزويني الذي له العلاقات والصلات والتفاعلات مع جملة من علماء تهران وغيرهم ما لا يوجد لأكثر أبنائنا الآخرين ، وهو له أحاديث وتفاعلات مع جملة من العلماء ، فما يتعلّق بالجهة « 3 » كالشيخ يوسف الأيرواني والسيّد السبط وغيرهما ، وله أيضاً اقتراحات وتصوّرات على هذا الصعيد ، وأرى أنّكم إذا تفاعلتم معه في الأوقات التي يتّفق فيها مروركم على تهران وقم فإنّ ذلك سوف

--> ( 1 ) يقصد الشيخ محمّد جعفر شمس الدين ( 2 ) يقصد ما كان يعرف بدورة السيّد الحكيم ، أي مدرسة العلوم الإسلاميّة ( 3 ) يقصد مرجعيّته .