أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

192

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

أوّلًا : أنّ كثيراً من الأحكام أعطيت ضمن صور جزئيّة محدودة تبعاً للأبواب ، ولم تُعطَ لها صيغة عامّة يمكن للمقلِّد أن يستفيد منها في نطاق واسع . ثانياً : أنّ عدداً من الأحكام دُسّ دسّاً في أبواب أجنبيّة عنه لأدنى مناسبة حرصاً على نفس التقسيم التقليدي للأبواب الفقهيّة . ثالثاً : أنّ جملةً من الأحكام لم تذكر نهائيّاًلأنّها لم تجد لها مجالًا ضمن التقسيم التقليدي . رابعاً : أنّه لم يبدأ في كلّ مجال بالأحكام العامّة ثمّ التفاصيل ، ولم تربط كلّ مجموعة من التساؤلات بالمحور المتين لها ، ولم تُعطَ المسائل التفريعيّة والتطبيقيّة بوصفها أمثلةً صريحةً لقضايا أعمّ منها لكي يستطيع المقلّد أن يعرف الأشباه والنظائر . خامساً : افترض في كثيرٍ من الأحيان وجود صورة مسبقة عن العبادة أو الحكم الشرعي ، ولم يبدأ العرض من الصفراعتماداً على تلك الصورة المسبقة . سادساً : انطمست المعالم العامّة للأحكام عن طريق نثرها بصورة غير منتظمة ، وضاعت على المكلّف فرصة استخلاص المبادئ العامّة منها . الملاحظة الثانية : أنّ الرسائل العمليّة لم تَعُدْ تدريجاً بوضعها التأريخي المألوف كافيةً لأداء مهمّتهابسبب تطوّر اللغة والحياة ، ذلك أنّ الرسالة العمليّة تعبّر عن أحكام شرعيّة لوقائع من الحياة ، والأحكام الشرعيّة بصيغها العامّة وإن كانت ثابتةً ولكنّ أساليب التعبير تختلف وتتطوّر من عصر إلى عصر آخر ؛ ووقائع الحياة تتجدّد وتتغيّر ، وهذا التطوّر الشامل في مناهج التعبير ووقائع الحياة يفرض وجوده على الرسائل العمليّة بشكل وآخر . فاللغة المستعملة تأريخيّاً في الرسائل العمليّة كانت تتّفق مع ظروف الأمّة السابقة ، إذ كان قرّاء الرسالة العمليّة مقصورين غالباً على علماء البلدان وطلبة العلوم المتفقّهين‌لأنّ الكثرة الكاثرة من أبناء الأمّة لم تكن متعلّمة ، وأمّا اليوم فقد أصبح عددٌ كبيرٌ من أبناء الأمّة قادراً على أن يقرأ ويفهم ما يقرأ إذا كتب بلغة عصره وفقاً لأساليب التعبير الحديث ، فكان لا بدّ للمجتهد المرجع أن يضع رسالته العمليّة للمقلّدين وفقاً لذلك . والمصطلحات الفقهيّة التي تعتمد عليها الرسائل العمليّة - غالباً - للتعبير عن المقصود قد كان من مبرّراتها تأريخيّاً اقتراب الناس سابقاً من تلك المصطلحات في ثقافتهم ، بينما ابتعد الناس عنها اليوم ، وتضاءلت معلوماتهم الفقهيّة ، حتّى أصبحت تلك المصطلحات على الأغلب غريبةً تماماً . وعرض الأحكام من خلال صور عاشها فقهاؤنا في الماضي كان أمراً معقولًا ، فمن الطبيعي أن تعرض أحكام الإجارة - مثلًا - من خلال افتراض استئجار دابّة للسفر ، ولكن إذا تغيّرت تلك الصور فينبغي أن يكون العرض لنفس تلك الأحكام من خلال الصور الجديدة ، ويكون ذلك أكثر صلاحيةً لتوضيح المقصود للمقلِّد المعاصر . والوقائع المتزايدة والمتجدّدة باستمرار بحاجة إلى تعيين الحكم الشرعي . ولَئِن كانت الرسائل العمليّة تأريخيّاً تفي بأحكام ما عاصرته من وقائع ، فهي اليوم بحاجة إلى أن تبدأ تدريجاً باستيعاب غيرها ممّا تجدّد في حياة الإنسان . والأحكام الشرعيّة على الرغم من كونها ثابتةً قد يختلف تطبيقها تبعاً للظروف من عصر إلى عصر ، فلا بدّ لرسالة عمليّة تعاصر تغيّراً كبيراً في كثير من الظروف أن تأخذ هذا التغيير بعين الاعتبار في تشخيص الحكم الشرعي . فمثلًا : الشرط الضمني - على حدّ تعبير الفقهاء - واجبٌ ونافذ ، وهو : كلّ شرط دلّ عليه العرف العامّ وإن لم يصرَّح به في العقد ، ولكنّ نوع هذه الشروط - لمّا كان العرف هو