أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

177

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

التعطيل زار المراجع وأقنعهم بضرورة العودة إلى التدريس . وذات يوم قصد الشيخ عفيف النابلسي ليلًا السيّد الصدر ( رحمة الله ) ليتأكّد من حضوره صباحاً ، فأجابه : « قد أجّل البحث إلى موعدٍ آخر » ، وكان ( رحمة الله ) في حالة غير عاديّة فلم يسأله عن السبب ، ولكنّه نظم من وحي هذه الحادثة ثلاثة أبيات من الشعر : ذهبتُ إلى الصدر الشريف يشدّني * ولوعٌ ولكنْ كاد يع - روني اللهثُ ورحتُ أناغي الدرسَ حيث جنابُه * فقيهٌ ويحثو في الفقاهة ما يحثو ولمّا طرقتُ البحثَ واليوم موع - دٌ * أجاب بأنّ اليوم قد أجّل البحثُ « 1 » تخفيف السلطة العراقيّة أحكامها على الإيرانيّين في 5 / 11 / 1975 م ( 1 / ذي القعدة / 1395 ه - ) خفّف العراق الأحكام التي كانت قد صدرت بحق

--> ( 1 ) خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 38 - 41 ، وفيه أنّ الحادثة كانت سنة 1394 ه - وأنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) زار السيّد الخوئي والسيّد عبد الله الشيرازي والسيّد محمود الشاهرودي . وقد تقدّمت الإشارة إلى تعطيل السيّد الصدر ( رحمة الله ) درسه كذلك في شعبان / 1394 ه - . وتفصيل الكلام هو أنّ تعطيل السيّد الصدر ( رحمة الله ) درسه سنة 1394 ه - ممّا يؤيّده وثائق المخابرات الإيرانيّة ، إضافةً إلى طبيعة الأجواء والظروف التي ألمّت به وبطلّابه الذين شرّدوا في تلك الفترة . ولكنّ البناء على أنّ بقيّة العلماء أيضاً عطّلوا دروسهم مشكل ، لا سيما السيّد الخوئي ( رحمة الله ) ، وذلك أنّ السيّد الخميني ( رحمة الله ) عندما ظنّ أنّ السيّد الخوئي ( رحمة الله ) لم يحضر إلى درسه بعد إعدام الشهداء الخمسة بسبب اعتراضه على ما يجري ، أجابه السيّد الخوئي ( رحمة الله ) بأنّه كان مريضاً وبأنّه سيرجع إلى درسه في اليوم التالي ، وهذا يعني أنّه لم يعطّل درسه لمدّة يومين ، فكيف لمدّة أربعة أشهر ؟ ! وليس ثمّة ما يشير إلى أنّه عطّل الدرس قبل ذلك . وإذا بنينا على أنّ تعطيل الدروس كان سنة 1395 ه - ، فهذا ممّا يُمكن البناء عليه ، ويؤيّده رسالة الشيخ النعماني الآتية بتاريخ 13 / ذي الحجّة / 1395 ه - والتي يشير فيها إلى تعطيل دروس السيّد الصدر ( رحمة الله ) وبقيّة العلماء . إلّا أنّ خبر الشيخ النابلسي سيواجه مشكلةً من ناحية أخرى ، وهي أنّ السيّد محمود الشاهرودي ( رحمة الله ) توفّي في 17 / شعبان / 1394 ه - ، فلا يُمكن أن يكون السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد زاره ضمن زيارته للعلماء لثنيهم عن قرار التعطيل . نعم ؛ من الممكن أن يكون التعطيل قبل خروج السيّد عبد الله الشيرازي ( رحمة الله ) من العراق في 25 / ذي القعدة / 1395 ه - . والمتحصّل : أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) عطّل درسه على ما يبدو في شعبان / 1394 ه - لأربعة أشهر أو يزيد ، آخذين بعين الاعتبار التشريد والمطاردة التي تعرّض لها السيّد الصدر ( رحمة الله ) وطلّابه ، إضافةً إلى الخدر الشديد في رجله اليُسرى الذي صاحبه لفترة بعد أن نزل عليه نبأ استشهاد الشهداء الخمسة ، إلى أن رجع إلى الدرس في شهر صفر / 1395 ه - بعد أن زال الخدر . وبهذا يكون السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد عطّل درسه ما يقرب من ستّة أشهر لا أربعة كما ذكر الشيخ النابلسي . أمّا تعطيل سنة 1395 ه - فالظاهر أنّه لم يدم طويلًا ، لأنّ التواريخ التي بأيدينا تشير إلى وصول السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى بحث المفاهيم في 15 / ربيع الأوّل / 1395 ه - وإلى بحث العام والخاص في 3 / شوّال / 1395 ه - وإلى أنّ الدروس العامّةً كانت معطّلة في 13 / ذي الحجّة / 1395 ه - . والذي يتراءى لنا هو أنّ التعطيل قد جاء بعد ليلة 14 / ذي القعدة / 1395 ه - ( 18 / 11 / 1975 م ) التي اعتقلت فيها السلطة ما يقرب من ألف ومئة وخمسين شخصاً اكتظّت بهم سجونها ، وقد أعقب ذلك هجرة السيّد عبد الله الشيرازي ( رحمة الله ) إلى مشهد المقدّسة . ولعلّ زيارة السيّد الصدر ( رحمة الله ) السيّد عبد الله الشيرازي ( رحمة الله ) لثنيه عن التعطيل والتي جاءت في كلام الشيخ النابلسي هي زيارته التي زاره فيها لثنيه عن الهجرة إلى مشهد ، ويكون - الشيخ النابلسي - قد اشتبه بشأن زيارة السيّد الصدر ( رحمة الله ) السيّد محمود الشاهرودي ( رحمة الله ) للغرض نفسه ، لما ذكرناه من وفاة الأخير سنة 1394 ه - . أو أن يكون الخلط قد حصل بين هذه الأحداث وبين أحداث سنة 1391 ه - حيث ذكرنا هناك أنّ السيّدين الشاهرودي والشيرازي قرّرا الهجرة إلى إيران في ذي القعدة / 1391 ه - وزارهما السيّد الصدر ( رحمة الله ) لثنيهما عن ذلك . والله العالم بواقع الحال .