أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
139
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الطريق المسدود التنحّى عن التدريس وعن صلاة الجماعة شعر السيّد الصدر ( رحمة الله ) أنّ هناك ضغطاً على طلّابه من قبل حواشي باقي العلماء والمراجع ، حيث كانوا يحذّرون الطلاب من الحضور عنده بحجّة أنّ هذا الرجل سياسي ويتدخّل في الأمور السياسيّة وهو رجلٌ حزبي ، فكانوا يضغطون على طلّابه . كانت هذه الأخبار تبلغ السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وكان حينها يدرّس في تلك الفترة في مسجد الطوسي حيث كان عددُ طلّابه كبيراً . وذات يوم - في جمادى الأولى / 1395 ه - « 1 » - جاء السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى مجلس بحثه وأثار فجأةً مسألةً جديدةً خارجةً عن محلّ البحث ، فتعجّب تلامذته من ذلك . وكانت المسألة عبارة عمّا يتمّ بحثه في الفقه حول الرجل الذي يكون سفره أكثر من حضره ، حيث يُبحث عن كيفيّة صلاته وصومه وما شابه . كان موضع البحث عبارة عن مسألة أخرى لا علاقة لها بهذه المسألة كما ذكرنا ، إلّا أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) ذكر [ أنّه أحصى في دورته الأصوليّة الثانية خمسمائة محاضرة ألقاها خلال خمس سنوات ، وهذا يعني أنّه مقابل كلّ يوم درس كان هناك يوما تعطيل ، وهذا لا مثيل له في أيّة مؤسّسة علميّة ، ثمّ ذكر أنّ والده لم يترك له إرثاً من عقار أو غيره ، وأنّه كان يعيش في بيتٍ مستأجر ، وكان يدخل في خزانة الحائط بعيداً عن ضوضاء الأطفال ويقضي عشر ساعات في الخزانة لا يخرج منها إلّا لقضاء حاجته أو لأداء الصلاة ] « 2 » . ثمّ علّق السيّد الصدر ( رحمة الله ) على ذلك بقوله : « إنّي أصبح مرضي أكثر من صحّتي ، وقد أدّيت ردحاً من الزمن دور التدريس العلمي وتربية الطلّاب ، وقد داهمتني اليوم عوارض الشيخوخة والأمراض ، فعليكم أن تبحثوا عن أستاذ غيري تواصلون عنده الدرس . . » . وأضاف ( رحمة الله ) : « في هذه الفترة الزمنيّة التي ربّيتُ فيها تلامذة وطلّاباً ، ربّما استطعتُ أن أثبت الجدارة في هذا الأمر ، وأنا أدعوكم الآن إلى أن تفتّشوا عن أستاذ غيري ، وأنا أترك البحث » .
--> ( 1 ) سيأتي إن شاء الله تعالى أنّ هذه الأحداث سبقت وصول الشيخ محمّد جواد مغنيّة ( رحمة الله ) إلى النجف الأشرف ، وأنّه لمّا وصل إلى النجف كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد عطّل درسه . ولمّا كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد أرسل إلى الشيخ محمّد جواد مغنيّة ( رحمة الله ) رسالةً بتاريخ 21 / صفر / 1395 ه - فهذا يعني أنّ مجيئه كان بعد هذا التاريخ . وإذا علمتَ أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) فرغ بتاريخ 15 / ربيع الأوّل / 1395 ه - من بحث ( النواهي ) وشرع في 19 منه في بحث ( المفاهيم ) فهذا يعني أنّ التعطيل كان بعد هذا التاريخ . ولمّا كان مجيء الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) بعد اندلاع الحرب اللبنانيّة - كما ذكره الشيخ عفيف النابلسي ( خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 78 - 80 ) - والتي انطلقت شرارتُها الأولى عند وقوع مجزرة عين الرمّانة على يد حزب الكتائب بتاريخ 13 / 4 / 1975 م ( 1 / ربيع الثاني / 1395 ه - ) ( مع الاعتذار للإمام الصدر : 124 ) ، ولمّا كان الشيخ عفيف النابلسي - الذي لازم الشيخ مغنيّة في النجف - قد خرج في مهمّة إلى لبنان انتهت في 28 / ربيع الثاني / 1395 ه - فهذا كلّه يوحي بأنّ تعطيل الدرس كان حوالي جمادى الأولى ( 2 ) ما بين [ ] من : مقابلة مع الشيخ رياض الناصري ( ) ) ، ويحتمل الشيخ الناصري أنّها تعود إلى صفر / 1397 ه - .