أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
121
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وأتى بي إلى هنا ، وأنا الآن أرى الأمور طبيعيّة ، فلماذا يفعل هؤلاء هكذا . هذا النموذج يُعبّر عن مئات أو آلاف النماذج المشابهة التي كانت تصلنا أخبارها بين الحين والآخر ، وما خفي أكثر وأكبر ، وكانت السلطة تغذّي هذا الطرح وتدعمه ، وتحاول إرهاب أكبر عدد من الناس من خلال الحملات النفسيّة المشابهة . اعتمدت السلطة في حربها النفسيّة على أمرين : الأوّل : الاعتقالات التي تعرّض لها السيّد ، وكذلك أنصاره وأعوانه من بين المراجع والمرجعيّات التي كانت قائمة آنذاك في النجف الأشرف ، فكان يُشاع بين الناس أنّ السلطة لم تكن لتعتقل الصدر لولا تورّطه بأمور خطيرة ، وإلّا فلماذا لا تعتقل المراجع الآخرين ؟ الثاني : مقاطعتها السيّد الشهيد ( رحمة الله ) ، وهو أمر في غاية الأهميّة ، فكان يقال : إنّ السلطة لا تعترف بمرجعيّة الشهيد الصدر وتعتبره عدوّها ، بدليل أنّ [ فلاناً ] عضو مجلس قيادة الثورة مثلًا زار المرجع الفلاني ولم يزر السيّد الصدر ، وهكذا . وأفرزت الحملة النفسيّة بتفاصيلها الواسعة حالةً من تطويق شديد للشهيد الصدر ، فكان مجلسه اليومي محدوداً بعدد من الطلبة الشباب لا يتجاوزون عدد الأصابع ، وكان بحثه كذلك ، وكانت صورة قاتمة ترتسم في الأذهان عن المستقبل إن استمرّ الوضع على هذا الشكل ، بل أستطيع أن أجزم بأنّ مرجعيّة السيّد الشهيد كانت على وشك الانهيار التامّ ، أو لا أقل الانزواء الكامل ، حتّى أنّه ) اضطرّ إلى ترك التدريس فترةً من الزمن ، وكان على وشكّ أن يغلق باب داره « 1 » . وتصدّى الراشدون الأبرار من الطلبة للعمل من أجل الدفاع عن هذه المرجعيّة وحماية كيانها ، وانضمّت إليهم الطلائع الواعية من المؤمنين في صفوف متحدّة متراصّة وجهود متواصلة . ورغم الأخطار التي كان من المحتمل أن يتعرّضوا لها ، كان في طليعة هؤلاء سماحة العلامّة حجّة الإسلام الشيخ أديب حيدر ، فقد لعب دوراً كبيراً في مجال إحباط مخطّط الحرب النفسيّة مستفيداً من وجود ابن عمّه « 2 » زيد حيدر في عضويّة القيادة القوميّة لحزب البعث الحاكم في العراق . وتمكّن السيّد الشهيد ( رضوان الله عليه ) أن يشقّ الطريق بثبات وعزم ، فامتدّ إلى أعماق الأمّة ، فاضطرّت السلطة فيما بعد - رضوخاً للأمر الواقع - إلى الاعتراف بمرجعيّته والتعامل معه تعامل الندّ للند ، وكانت الخطوة الأولى في هذا المجال زيارة زيد حيدر عضو ما يسمّى بالقيادة القوميّة لحزب البعث » « 3 » . وهناك أمرٌ ربّما ساعد على تكريس هذه الظاهرة تجاه السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، تلخّصه قصّة جرت مع الشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي الذي كان قد عاد لتوّه من لبنان في فترة المواقف الشديدة التي اتّخذها الشيخ محمّد جواد مغنيّة ( رحمة الله ) من السيّد موسى الصدر . ولمّا دخل إلى مجلس السيّد الصدر ( رحمة الله ) - وكان جملة من طلّابه حاضرين من قبيل السيّد محمّد باقر المهري والشيخ محيي الدين المازندراني - سأله السيّد الصدر ( رحمة الله ) عن حقيقة الخلاف بين الشيخ مغنيّة وبين ابن عمّه ، فأجابه الشيخ الجنّاتي : « لا
--> ( 1 ) يُشار إلى أنّه قبل تعطيل درسه بفترة كان عدد طلّاب درسه كبيراً على ما يبدو ( 2 ) أشرنا سابقاً إلى أنّ زيد حيدر من أسرة الشيخ أديب وليس ابنَ عمّه بالمعنى الأخصّ ( 3 ) شهيد الأمّة وشاهدها 279 : 1 - 281 . وقد تقدّمت زيارة زيد حيدر ضمن أحداث سنة 1392 ه - ، فراجع .