أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

120

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

يقول : « لماذا تعيش الحوزة في هذا البلد مئات السنين ، ثمَّ بعد هذا يظهر إفلاسها في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه ؟ ! في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه يظهر إفلاس هذه الحوزة ، وإذا بأبناء هذا البلد ، وإذا بأبناء هذا البلد أو ببعض أبناء هذا البلد يظهرون بمظهر الأعداء والحاقدين والحاسدين والمتربّصين بهذه الحوزة ! ! ! . ألا تفكّرون في أنَّ هذه جريمتنا قبل أن تكون جريمتهم ؟ في أنّ هذه هي مسؤوليّتنا قبل أن تكون مسؤوليّتهم ؟ لأنّنا لم نتعامل معهم ، نحن تعاملنا مع أجدادهم ولم نتعامل معهم ! فهؤلاء ، هذه الأجيال التي تحقد علينا ، تتربّص بنا اليوم ، تشعر بأنّنا نتعامل مع الموتى ، لا نتعامل مع الأحياء ! ولهذا يحقدون علينا ، ولهذا يتربّصون بنا ، لأنّنا لم نقدّم لهم شيئاً ، لأنّنا لم نتفاعل معهم » « 1 » . بل وربّما كان يائساً من من إصلاح الحوزة آنذاك ، ولذلك - [ وفي مرحلة الثمانينات الهجريّة على ما يبدو ] - عبّر للشيخ عبد الهادي الفضلي في مجلس خاص عن هذا اليأس بقوله : إنّ علينا أن نصبّ عليها النفط ونحرقها ثمّ نعمل على تأسيس حوزة جديدة « 2 » . وعلى الرغم من التزامه سياسةَ سحب الذرائع ، إلّا أنّه كان يحذّر من أنّ الوقوف التحطيمي بوجه أعمال الصلاح سوف لن يعود بالخير ، بل سيؤدّي إلى الدمار الشامل ، وفي هذا يقول : « اليوم أمام كلّ واحد منّا صار واضحاً أنّ أيّ انحراف عن خطّ الإسلام في سلوكنا ، في وضعنا ، في أخلاقنا ، في عواطفنا ، هذا الانحراف ، هذا التكاسل ، هذه النزعة التحطيميّة التحريميّة لأيّ نوع من العمل الصالح في الحوزة ، هذا الذي يؤدّي بنا إلى ما أدّى ، وسوف يؤدّي إلى الدمار حتماً إذا لم يتغيّر الوضع الداخلي في الحوزة . لا يكفي أن يتغيّر الوضع الخارجي ، يحتاج الوضع الداخلي إلى التغيير ، تحتاج ضمائرنا إلى تطهير ، تحتاج نفوسنا إلى تطهير ، نحتاج أن نشعر بمسؤوليّتنا اليوم . . » « 3 » . * * * يقول الشيخ محمّد رضا النعماني : « لقد استغلّ بعض الأطراف حالة العداء الدائمة بين السيّد الشهيد والسلطة لعزله وتهديد مرجعيّته ، وكانت هذه الأطراف في نشاطها وفعّاليتها أقوى من السلطة وأخطر منها في أحيان كثيرة ، فعلى مستوى الحوزة العلميّة استطاعت أن تُوجد حالةً من الرعب والخوف عند الطلبة أدّت إلى امتناع بعضهم أو الأصحّ عددٍ كبيرٍ منهم من حضور أبحاث السيّد الشهيد الصدر العلميّة التي لا علاقة لها بأيّ عمل سياسي أو جهادي ، وكذلك التردّد على منزله وحضور مجلسه العام . وعلى مستوى الأمّة والجماهير ، فإنّ ما وقع ليس أيسر ممّا وقع للطلبة في الحوزة . وأتذكّر أنّ رجلًا من المناطق الجنوبيّة في العراق جاء إلى النجف لزيارة أمير المؤمنين ( ع ) ، فحدّث السيّد الشهيد ( رحمة الله ) بما جرى له ، فقال : كنتُ لا أعرف أين يقع منزلكم ، وكانت رغبتي شديدة أن أزوركم وألتقي بكم ، فوقفت في الصحن الشريف أنتظر من يدلّني ، فمرّ بقربي أحد ( المعمّمين ) ، فسألته عن منزلكم فقال لي : إنّ منزل السيّد الصدر مطوّقٌ من قِبل سلطات الأمن ، وسوف تعتقل حال وصولك . ثمّ سألتُ آخر وآخر فكان الجواب واحداً ، إلّا أنّ أحد الطلبة الشباب دلّني على منزلكم ، وأخبرني بأنّ الأمور طبيعيّة ، وقال لي : لا تخف ،

--> ( 1 ) انظر 27 / صفر / 1389 ه - ( 2 ) حدّثني بذلك السيّد حسين خليفة صيف 2004 وبتاريخ 19 / 8 / 2005 م نقلًا عن خاله الشيخ عبد الهادي الفضلي ( 3 ) من محاضرة للسيّد الصدررحمة الله ) ألقاها سنة 1389 ه - .