أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

119

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ينبغي أن يكون الغاية القصوى التي ينبغي أن يطمحوا إليها ، ولذلك شدّد عليهم قائلًا : « قلنا تكراراً ومراراً إنّ كلّ هذه المطالب العلميّة إنّما نريدها وإنّما نتسلّح بها لأجل أن ننزل بها إلى ميدان الصراع والعراك مع أعداء الإسلام ومع أعداء الدين لحماية الإسلام ، وإلّا مجرّد الاطّلاع واستيعاب المطالب الأصوليّة والفقهيّة الدقيقة والتبحّر في هذه العلوم تبحّراً كاملًا لا يغيّر من وضع الإسلام شيئاً ولا يقدّم من وضع الإسلام خطوة ، لا يحلّ من مشاكل المسلمين مشكلة ولا يقلّل من آلام الأمّة ألماً من الآلام . . . أيّ وضع يمكن أن يتغيّر لصالح الإسلام فيما لو فرضنا أنّنا توصّلنا إلى أنّ السورة ليست جزءاً من الصلاة بعد أن كانت السورة جزءاً من الصلاة في فتوى العلماء الأخيار السابقين ، هل بهذا نقوم بفتحٍ من فتوح الإسلام ؟ ! هل بهذا نحقّق انتصاراً للإسلام ؟ ! ، هل بهذا نقلّل من المآسي التي يعيشها المسلمون ؟ ! . . لعلّكم ترون أنّي أشدّ الناس شوقاً إلى هذه المطالب الصناعيّة واهتماماً بها وحرصاً عليها وسعياً وراءها ، وأريد منكم أيضاً هذا ، ولا أقصد من هذا الكلام التزهيد في البحث الصناعي ، وأنتم ترون أنّ وضعي الخارجي وعملي الخارجي مبنيٌّ على الاهتمام جسداً بهذه المطالب الصناعيّة والتعب في سبيل تحصيلها وتدبّرها ، وأنتم يجب أيضاً أن تكونوا هكذا ، لكنّ الكلام في طبيعة النظرة إلى هذه المطالب . . » « 1 » . وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد انجرّ إلى التوغّل في بعض الأبحاث الصناعيّة على الرغم من عدم إيمانه بجدوى بحثها : فقد ذكر أمام الشيخ عبد الحليم الزهيري أنّه يعتبر الكثير من أبحاث علم الأصول مضيعة للعمر ، وأنّه إنّما اضطرّ إلى بحثها وفق الوتيرة المعهودة كي تعترف به الحوزة فحسب « 2 » ، وهو ما ذكره للشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي بعد صدور الجزء الأوّل من كتاب ( بحوث في شرح العروة الوثقى ) مع ما ظهر منه في مقدّمة الكتاب من عدم رضاه عن أسلوب البحث الفقهي الذي سار عليه في الكتاب والذي جاء وفقاً للأساليب المعهودة ، حيث قال له : « لقد كتبتُ هذا الكتاب لكي لا يُنكروا علمنا » « 3 » . كما سمع منه السيّد كمال الحيدري وصفه علم الأصول بأنّه طغى ثمّ طغى ثمّ طغى « 4 » . وعلى أيّة حال فإنّ من الواضح أنّه لم يكن راضياً عن أداء الحوزة العلميّة في عصره ، ولذلك

--> ( 1 ) من كلمة للسيّد الصدر ( رحمة الله ) ألقاها بعد أحد دروسه الأصوليّة . وموقف السيّد الصدر ( رحمة الله ) قريبٌ من موقف السيّد موسى الصدر الذي ذكر للشيخ محمّد باقر الناصري يوم زاره في لبنان سنة 1966 م أنّه لم يستفد إلى يومه ذاك شيئاً من بحث ( الطلب والإرادة ) الذي قرّره يوم كان طالباً ( من معالم الفكر السياسي في الإسلام ) ، والذي ذكر للسيّد محمّد الغروي أيضاً - وبرواية الشيخ عبد الحليم الزهيري عنه - أنّه لمّا رتّب مكتبته في صور بعد انتقاله إلى لبنان ، جعل كتب الحوزة أقرب الكتب إلي مكان جلوسه باعتبار حاجته إليها أكثر من حاجته إلى غيرها ، ولكن ظهر له مع مرور الأيّام أنّه كان مخطئاً في ذلك . وحدّثني الشيخ الزهيري أيضاً نقلًا عن السيّد الغروي أنّ السيّد موسى رأى مجموعة من شباب وشابات المدارس معاً في وضع معيّن ، فقال للسيّد الغروي : « انظر أين هم هؤلاء وأين هي حوزتك » ( 2 ) حدّثني بذلك الشيخ عبد الحليم الزهيري ( 3 ) حدّثني بذلك الحاج أبو إحسان النعماني بتاريخ 4 / 12 / 2004 م نقلًا عن الشيخ إبراهيم الجناتي . ( 4 ) سمعتُ ذلك من السيّد كمال الحيدري في درسٍ من دروسه المسجّلة ، ونقله لي عنه بعض طلّابه . يُشار إلى أنّ السيّد حسين البروجردي ( رحمة الله ) كان لا يعير مزيد عنايةٍ لعلم الأصول ويعتقد بأنّه عبارة عن مجموعة من التناقضات و ( خيالات ) هذا وذاك ( يادنامه شرق ، ضميمه رايگان تاريخ وانديشه ، شماره 12 ، ويژه آيت الله بروجردي ، فروردين 7 : 85 ، نقلًا عن الشيخ محمّد الصادقي الطهراني ) .